شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

طريق الهجرتين وباب السعادتين

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص126

دار السلفية، القاهرة، مصر

فلو كان معه آلهة أخرى كما يقول أعداؤه المبطلون لوقع من النقص فى التدبير وفساد الأمر كله ما لا يثبت معه حال، ولا يصلح عليه وجود. ومن أعظم نعمه علينا وما استوجب حمد عباده له أن يجعلنا عبيدا له خاصة ولم يجعلنا ربنا منقسمين بين شركاء متشاكسين، ولم يجعلنا عبيدا لإله نحتته الأفكار، لا يسمع أصواتنا ولا يبصر أفعالنا ولا يعلم أحوالنا ولا يملك لعابديه ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا تكلم قط ولا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى، ولا ترفع إليه الأيدى ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا يصعد إليه الكلم الطيب، ولا يرفع إليه العمل الصالح، وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا خلفه ولا أمامه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا محاذيا له ولا مباينا، ولا هو مستو على عرشه ولا هو فوق عباده، وحظ العرش منه حظ الحشوش والأخلية ولا تنزل الملائكة من عنده بل لا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ولا يقرب منه شيء، ولا يحب ولا يحب، ولا [يلتذ] المؤمنون بالنظر إلى وجهه الكريم فى دار الثواب، بل ليس له وجه يرى ولا له يد يقبض بها السموات وأخرى يقبض بها الأرض، ولا [له] فعل يقوم به ولا حكمة تقوم به، ولا كلم موسى تكليما، ولا تجلى للجبل فجعله دكا هشيما، ولا يجيء يوم القيامة لفصل القضاء، ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول [لا] أسأل عن عبادى غيرى، ولا يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه ويجوز فى حكمته تعذيب أنبيائه ورسله وملائكته وأهل طاعته أجمعين من أهل السموات والأرضين، وتنعيم أعدائه من الكفار به والمحاربين والمكذبين له ولرسله، والكل بالنسبة إليه سواء ولا فرق البتة إلا أنه أخبر أنه لا يفعل ذلك، فامتنع للخبر بأنه لا يفعله، لا لأنه فى نفسه مناف لحكمته، ومع ذلك فرضاه عين غضبه وغضبه عين رضاه ومحبته كراهته وكراهته محبته، إن هى إلا إرادة محضة ومشيئة صرفة يشاء بها لا لحكمة ولا لغاية ولا لأجل مصلحة، ومع ذلك يعذب عباده على ما لم يعملوه ولا قدرة لهم عليه، بل يعذبهم على نفس فعله الذى فعله هو ونسبه إليهم، ويعذبهم إذا لم يفعلوا فعله ويلومهم عليه، يجوز فى حكمته أن

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية