شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

طريق الهجرتين وباب السعادتين

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص129

دار السلفية، القاهرة، مصر

دون طاقتهم، فقد يطيقون الشيء ويضيق عليهم، بخلاف وسعهم فإنه ما يسعونه ويسهل عليهم ويفضل قدرهم عنه كما هو الواقع، وأنه سبحانه لا يعاقب أحدا بغير فعله ولا يعاقبه على فعل غيره، ولا يعاقبه بترك ما لا يقدر على فعله ولا على فعل ما لا قدرة له على تركه، وأنه [سبحانه] حكيم كريم جواد ما جد محسن ودود وصبور شكور يطاع فيشكر ويعصى فيغفر، لا أحد أصبر على أذى سمعه منه، ولا أحب إليه المدح منه ولا أحب إليه العذر منه، ولا أحد أحب إليه الإحسان منه، فهو محسن يحب المحسنين، شكور يحب الشاكرين جميل يحب الجمال، طيب يحب كل طيب، نظيف يحب النظافة، عليم يحب العلماء من عباده، كريم يحب الكرماء، قوى والمؤمن القوى أحب إليه من المؤمن الضعيف، بر يحب الأبرار، عدل يحب أهل العدل حى ستير يحب أهل الحياء والستر عفو غفور يحب [من] يعفو من عباده ويغفر لهم، صادق يحب الصادقين، رفيق يحب الرفق، جواد يحب [الجود] وأهله، رحيم يحب الرحماء، وتر يحب الوتر، ويحب أسماءه وصفات ويحب المتعبدين له بها ويحب من يسأله ويدعوه بها ويحب من يعرفها ويعقلها [ويثنى] عليه بها ويحمده ويمدحه بها

كما فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم: "لا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك أثنى على نفسه، ولا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين"، وفى حديث آخر صحيح: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، يجعلون له ولدا وهو يرزفقهم ويعافيهم"، ولمحبته لأسمائه وصفاته أمر عباده بموجبها ومقتضاها، فأمرهم بالعدل والإحسان والبر والعفو والجود والصبر والمغفرة والرحمة والصدق والعلم والشكر والحلم والأناة والتثبت ولما كان سبحانه يحب أسماءه وصفاته كان أحب الخلق إليه من اتصف بالصفات التى يحبها، وأبغضهم إليه من اتصف بالصفات التى يكرهها، فإنما أبغض من اتصف بالكبر والعظمة والجبروت لأن اتصافه بها ظلم، إذ لا تليق به هذه الصفات ولا تحسن منه، لمنافاتها لصفات العبيد، وخروج من اتصف بها من ربقة العبودية ومفارقته لمنصبه ومرتبته، وتعديه طوره وحده، وهذا خلاف ما تقدم من الصفات كالعلم والعدل والرحمة والإحسان والصبر والشكر فإنها لا تنافى العبودية، بل اتصاف العبد بها من كمال عبوديته، إذ المتصف بها من العبيد

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية