طريق الهجرتين وباب السعادتين
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص135
دار السلفية، القاهرة، مصر
يرضه لكم} [الزمر: 7] ، وقال [تعالى] : {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] ، وقال: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] ، وقال: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} [النساء: 26-28] .
ويتنصل سبحانه إلى عباده من مواضع الظنة والتهمة التى نسبها إليه من يعرفه حق معرفته ولا قدره حق قدره: من تكليف عباده ما لا يقدرون عليه ولا طاقة لهم بفعله البتة، وتعذيبهم إن شكروه وآمنوا به، وخلق السموات والأرض وما بينهما لا لحكمة ولا لغاية، وأنه لم يخلق خلقه لحاجة منه إليهم، ولا ليتكثر بهم من قلة ولا ليتعزز بهم كما قال: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون} [الذاريات: 56- 57] ، فأخبر أنه لم يخلق الجن والإنس لحاجة منه إليهم، ولا ليربح عليهم، لكن خلقهم جودا وإحسانا ليعبدوه فيربحوا هم عليه كل الأرباح كقوله: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم} [الإسراء: 7] ، {ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون} [الروم: 44] ، ولما أمرهم بالوضوء وبالغسل من الجنابة الذى يحط عنهم أوزارهم ويدخلون به عليه ويرفع به درجاتهم، قال تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} [المائدة: 6] ، وقال فى الأضاحى والهدايا: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} [الحج: 37] ، وقال عقيب أمرهم بالصدقة ونهيهم عن إخراج الرديء من المال: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد} [البقرة: 267] .
يقول سبحانه: إنى غنى عما تنفقون أن ينالنى منه شيء، [حميد] مستحق المحامد كلها، فإنفاكم لا يسد منه حاجة ولا يوجب له حمدا، بل هو الغنى بنفسه الحميد بنفسه وأسمائه
#