شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

طريق الهجرتين وباب السعادتين

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص159

دار السلفية، القاهرة، مصر

الشر للشيء وطروء طاريء عليه بعد تكونه فذلك الطاريء إما شيء يمنع المكمل من الإكمال مثل تراكم السحب وإظلال الجبال الشاهقات إذ صار مانعا من تأثير الشمس فى [النبات] ، وإما شيء يفسد مثل البرد الذى يصل إلى النبات بسبب ذلك استعداده للنشوء والنمو.

وإذا عرفت ذلك فنقول: قد بينا أن الشر بالحقيقة إما عدم ضروريات الشيء، وإما عدم منافعه. [فنقول] : [الموجود] إما أن يكون خيرا من كل الوجوه، وشرا من كل الوجوه أو خيرا من وجه وشرا من وجه. وهذا على تقدير أقسام: فإنه إما أن يكون خيره غالبا على شره، أو يكون شره غالبا على خيره، أو متساويا خيره وشره، فهذه أقسام خمسة.

أما الذى يكون خيرا من كل الوجوه وهو موجود-[أما] الذى يكون كذلك لذاته- فهو الله تبارك وتعالى، وأما الذى يكون [خيره] لغيره فهو العقول والأفلاك، لأن هذه الأمور ما فاتها شيء من ضروريات ذاتها ولا من [كمالاتها] أما الذى كله شر أو الغالب فيه أو [المتساوي] فهو غير موجود لأن كلامنا فى الشيء بمعنى عدم الضروريات والمنافع، لا بمعنى عدم الكمال الزائد، [وإذا عنينا بالشر] ذلك فلا شك أن ذلك مغلوب والخير غالب لأن الأمراض وإن كثرت إلا أن الصحة أكثر منها، فالحرق والغرق والخسف، وإن كانت قد تكثر إلا أن السلامة أكثر منها.

فأما الذى يكون خيره غالبا على شره فالأولى فيه أن يكون موجودا لوجهين: الأول أنه إن لم يوجد فلا بد وأن يفوت الخير الغالب، وفوت الخير الغالب شر غالب، فإذا فى عدمه يكون الشر أغلب من الخير، وفى وجوده يكون الخير أغلب من الشر، ويكون وجود هذا القسم أولى، مثاله النار: فى وجودها منافع [كثيرة وأيضا مفاسد كثيرة مثل إحراق الحيوانات، ولكننا إذا قابلنا منافعها] بمفاسدها كانت مصالحها أكثر بكثير من مفاسدها، ولو لم توجد لفاتت تلك المصالح، وكانت مفاسد عدمها أكثر من مصالحها فلا جرم وجب إيجادها وخلقها.

الثانى- وهو الذى يكون خيره ممزوجا بالشر- ليس إلا الأمور التى تحت كرة القمر فلا شك، أنها معلولات العلل العالية، فلو لم يوجد هذا القسم لكان يلزم من عدمها عدم عللها الموجبة لها، وهى خيرات محضة، فيلزم من عدمها عدم الخيرات المحضة وذلك شر محض، فإذا لا بد من وجود هذا القسم.

فإن قيل: فلم لم يخلق الخالق هذه الأشياء عرية عن كل الشرور؟ فنقول: لأنه لو جعلها كذلك لكان هذا هو القسم الأول،

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية