طريق الهجرتين وباب السعادتين
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص177
دار السلفية، القاهرة، مصر
يصدقوا بها- فيقول القائل: كيف يولد الرجل الكبير أم كيف يولد القلب، لم يكن لهم إليها همة ولا عزيمة، إذ كيف يعزم على الشيء من لا يعرفه ولا يصدقه؟ ولكن إذا كشف حجاب الغفلة عن القلب صدق بذلك وعلم أنه لم يولد قلبه بعد والمقصود أن صدق التأهب للقاء الله هو مفتاح جميع الأعمال الصالحة والأحوال الإيمانية ومقامات السالكين إلى الله ومنازل السائرين إليه، من اليقظة والتوبة والإنابة والمحبة والرجاء والخشية والتفويض والتسليم وسائر أعمال القلوب والجوارح، فمفتاح ذلك كله صدق التأهب والاستعداد للقاء الله، والمفتاح بيد الفتاح العليم لا إله غيره ولا رب سواه.
قاعدة شريفة: الناس قسمان: علية وسفلة. فالعلية من عرف الطريق إلى ربه وسلكها قاصدا الوصول إليه، وهذا هو الكريم على ربه. والسفلة من لم يعرف الطريق إلى ربه ولم يتعرفها، فهذا هو اللئيم الذى قال الله تعالى فيه: {ومن يهن الله فما له من مكرم} [الحج: 18] .
والطريق إلى الله فى الحقيقة واحد لا تعدد فيه، وهو صراطه المستقيم الذى نصبه موصلا لمن سلكه إليه، قال الله تعالى: {وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل} [الأنعام: 153] ، فوحد سبيله لأنه فى نفسه واحد لا تعدد فيه، وجمع السبل المخالفة لأنها كثيرة متعددة، كما ثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم خط خطا ثم قال: "هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن يساره ثم قال: هذا سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: {وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام:153] " ومن هذا قوله تعالى: {الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} [البقرة: 257] ، فوجد النور الذى هو سبيله وجميع الظلمات التى هى سبيل الشيطان.
ومن فهم هذا فهم السر فى إفراد النور وجمع الظلمات فى قوله تعالى: {الحمد لله الذى خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور} [الأنعام:1] مع أن فيه سرا ألطف من هذا يعرفه من يعرف منبع النور ومن أين فاض وعماذا حصل وأن أصله كله واحد، وأما الظلمات فهى متعددة بتعدد الحجب المقتضية لها، وهى كثيرة جدا، لكل حجاب ظلمة خاصة، ولا ترجع الظلمات إلى النور الهادى جل جلاله أصلا
#