طريق الهجرتين وباب السعادتين
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص5
دار السلفية، القاهرة، مصر
مقدمة
طريق الهجرتين وباب السعادتين: للإمام العلامة شيخ الإسلام محمد بن أبى بكر بن سعد بن جرير الزرعى ابن قيم الجوزية
خطبة الكتاب للمؤلف
الحمد لله الذى نصب الكائنات على ربوبيته ووحدانيته حججا، وحجب العقول والأبصار أن تجد إلى تكييفه منهجا وأوجب الفوز بالنجاة لمن شهد له بالوحدانية شهادة لم يبغ لها عوجا، وجعل لمن لاذ به واتقاه من كل ضائقة مخرجا، وأعقب من ضيق الشدائد وضنك الأوابد لمن توكل عليه فرجا، وجعل قلوب أوليائه متنقلة من منازل عبوديته من الصبر والتوكل والإنابة والتفويض والمحبة والخوف والرجا فسبحان من أفاض على خلقه النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذى كتبه، أن رحمته تغلب غضبه. أسبغ على عباده نعمه الفرادى والتوءام، وسخر لهم البر والبحر والشمس والقمر والليل والنهار والعيون والأنهار والضياء والظلام، وأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه يدعوهم إلى جواره فى دار السلام، {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} [الأنعام: 125] ، فسبحان من {أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا} [الكهف: 1] ، ورفع لمن ائتم به فأحل حلاله وحرم حرامه وعمل بمحكمه وآمن بمتشابهه فى مراقى السعادة درجا، ووضع قهره على من أعرض عنه ولم يرفع به رأسه ونبذه وراء ظهره وابتغى الهدى من غيره، فجعله فى دركات الجحيم متولجا، فإنه الذكر الحكيم والصراط المستقيم والنبأ العظيم وحبل الله المتين المديد بينه وبين خلقه، وعهده الذى من استمسك به فاز ونجا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا سمى له ولا كفو له ولا صاحبة له ولا ولد ولا شبيه له ولا يحصى أحد ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثنى عليه خلقه، شهادة من أصبح قلبه بالإيمان بالله وأسمائه وصفاته مبتهجا، ولم يدع إلى شبه الجاحدين المعطلين معرجا.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده، أرسله رحمة للعالمين وقدوة للعاملين ومحجة للسالكين وحجة على العباد أجمعين. أرسله على حين فترة من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل
#