طريق الهجرتين وباب السعادتين
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص20
دار السلفية، القاهرة، مصر
آخر يفنى به، كذا نظر العارف إليه بسبق الأولية حيث كان قبل الأسباب كلها، فكذلك نظره إليه ببقاء الآخرية حيث يبقى بعد الأسباب كلها، فكان الله ولم يكن شيء غيره، وكل شيء هالك إلا وجهه. فتأمل عبودية هذين الاسمين وما يوجبانه من صحة الاضطرار إلى الله وحده ودوام الفقر إليه دون كل شيء سواه، وأن الأمر ابتدأ منه وإليه يرفع، فهو المبتديء بالفضل حيث لا سبب ولا وسيلة، وإليه ينتهى الأمر حيث تنتهى الأسباب والوسائل فهو أول كل شيء وآخره، وكما أنه رب كل شيء وفاعله وخالقه وبارئه، فهو إلهه وغايته التى لا صلاح له ولا فلاح ولا كمال إلا بأن يكون هو غايته كما أنه لا وجود له إلا بكونه وحده هو ربه وخالقه وكذلك لا كمال له ولا صلاح إلا بكونه تعالى وحده هو غايته وحده ونهايته ومقصوده، فهو الأول الذى ابتدأت منه المخلوقات، والآخر الذى انتهت إليه عبوديتها وإرادتها ومحبتها، فليس وراء الله شيء يقصد ويعبد ويتأله كما أنه ليس قبله شيء يخلق ويبرأ، فكما كان واحدا فى إيجادك فاجعله واحدا فى تألهك وعبوديتك، وكما ابتدأ وجودك وخلقك منه فاجعله نهاية حبك وإرادتك وتألهك إليه لتصح لك عبوديته باسمه الأول والآخر، وأكثر الخلق تعبدوا له باسمه الأول، وإنما الشأن فى التعبد له باسمه الآخر فهذه عبودية الرسل وأتباعهم، فهو رب العالمين وإله المرسلين سبحانه وبحمده. وأما عبوديته باسمه الظاهر فكما فسره النبى صلى الله عليه وسلم بقوله: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء".
فإذا تحقق العبد علوه المطلق على كل شيء بذاته، وأنه ليس فوقه شيء البتة، وأنه قاهر فوق عباده يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] ، صار لقلبه [أملا] يقصده، وربا يعبده، وإلها يتوجه إليه. بخلاف من لا يدرى أين ربه فإنه ضائع مشتت القلب ليس لقلبه قبلة يتوجه نحوها ولا معبود يتوجه إليه قصده. وصاحب هذه الحال إذا سلك وتأله وتعبد طلب قلبه إلها يسكن إليه ويتوجه إليه، وقد اعتقد أنه ليس فوق العرش شيء إلا العدم، وأنه ليس فوق العالم إله يعبد ويصلى له ويسجد، وأنه ليس على العرش من يصعد إليه الكلم الطيب ولا يرفع إليه العمل الصالح، جال قلبه فى الوجود جميعه فوقع فى الاتحاد ولا بد، وتعلق قلبه بالوجود المطلق السارى فى المعينات، فاتخذ إلهه من دون الإله الحق وظن أنه قد وصل إلى عين الحقيقة، وإنما تأله وتعبد لمخلوق مثله، أو لخيال نحته بفكره
#