طريق الهجرتين وباب السعادتين
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص187
دار السلفية، القاهرة، مصر
فأما الظالم لنفسه فإنه إذا استقبل مرحلة يومه وليلته استقبلها، وقد سبقت حظوظه وشهواته إلى قلبه فحركت جوارحه طالبة لها ساعية فيها، فإذا زاحمها حقوق ربه فتارة وتارة فمرة يأخذ بالرخصة ومرة بالعزيمة، ومرة يقدم على الذنب وترك الحق تهاونا ووعدا بالتوبة. فهذا حال الظالم لنفسه مع حفظ التوحيد والإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر والتصديق بالثواب والعقاب فمرحلة هذا مقطوعة بالربح والخسران وهو للأغلب منهما، فإذا ورد القيامة ميز ربحه من خسرانه وحصل ربحه وحده وخسرانه وحده، وكان الحكم للراجح منهما، وحكم الله من وراء ذلك لا يعدم عباده منه فضله وعدله.
وأما المقتصدون فأدوا وظيفة تلك المرحلة ولم يزيدوا عليها ولم ينقصوا منها، فلا حصلوا على أرباح التجار ولا بخسوا الحق الذى عليهم. فإذا استقبل أحدهم مرحلة يومه استقبلها بالطهور التام والصلاة التامة فى وقتها بأركانها وواجباتها وشرائطها، ثم ينصرف منها إلى مباحاته ومعيشته وتصرفاته التى أذن الله له فيها مشتغلا بها قائما بأعيانها مؤديا واجب الرب عالى فيها، غير متفرغ لنوافل العبادات وأوراد الأذكار والتوجه، فإذا حضرت الفريضة الأخرى بادر إليها كذلك، فإذا أكملها انصرف إلى حاله الأول فهو كذلك سائر يومه، فإذا جاء الليل فكذلك إلى حين النوم يأخذ مضجعه حتى ينشق الفجر فيقوم إلى غذائه وظيفته فإذا جاء الصوم الواجب ويقوم بحقه، وكذلك الزكاة الواجبة والحج الواجب، وكذلك المعاملة مع الخلق يقوم فيها بالقسط، لا يظلمهم ولا يترك حقه لهم.
فصل
وأما السابقون بالخيرات فهم نوعان: أبرار ومقربون. وهؤلاء الأصناف الثلاثة هم أهل اليمين، وهم المقتصدون والأبرار والمقربون. وأما الظالم لنفسه فليس من أصحاب اليمين عند الإطلاق وإن كان مآله إلى أصحاب اليمين كما أنه لا يسمى مؤمنا عند الإطلاق وإن كان مصيره ومآله مصير المؤمنين بعد أخذ الحق منه.
وقد اختلف فى قوله تعالى: {جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب} [فاطر: 33] الآية. هل ذلك راجع إلى الأصناف الثلاثة: الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات، أو يختص بالقسمين الأخيرين وهما المقتصد والسابق دون الظالم، على قولين: فذهبت طائفة إلى أن الأصناف الثلاثة كلهم فى الجنة، وهذا يروى عن ابن مسعود وابن عباس
#