طريق الهجرتين وباب السعادتين
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص191
دار السلفية، القاهرة، مصر
قالوا: وأيضا فلم يجيء] فى القرآن ذكر الظالم لنفسه إلا فى معرض الوعيد لا الوعد، كقوله تعالى: {إن المجرمين فى عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين} [الزخرف: 74-76] ، وقوله: {فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق} [سبأ: 99] ، وقوله: {وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [النحل: 118] [وقوله لا ينال عهدى الظالمين وقوله: أن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون] قالوا: وأيضا فالظالم لنفسه هو الذى خفت موازينه ورجحت سيئاته، والقرآن كله يدل على خسارته وأنه غير ناج كقوله تعالى: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون} [الأعراف: 8-9] وقوله: {وأما من خفت موازينه فأمه هاوية} [القارعة: 8- 9] ، فكيف يذكر وعده بجناته وكرامته للظالمين أنفسهم الخفيفة موازينهم؟ قالوا: وأيضا فقوله تعالى: {جنات عدن} [يدخلونها] مرفوع لأنه بدل من قوله: {ذلك هو الفضل الكبير وهو بدل نكرة من معرفة كقوله: {لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة} [العلق: 15- 16] ، وحسن وقوعه [مجيء النكرة موصوفة لتخصيصها بالوصف وقربها من المعرفة ومعلوم أن المبدل منه هو] "الفضل الكبير" مختص بالسابقين بالخيرات، والمعنى أن سبقهم بالخيرات بإذنه ذلك هو الفضل الكبير وهو جنات عدن يدخلونها، وجعل السبق بالخيرات نفس الجنات لأنه سببها وموجبها.
قالوا: وأيضا فإنه وصف حليتهم فيها بأنها أساور من ذهب ولؤلؤ، وهذه جنات السابقين لا جنات المقتصدين، فإن جنات الفردوس أربع كما ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه فى جنة عدن".
ومعلوم أن الجنتين الذهبيتين أعلى وأفضل من الفضيتين فإذا كانت الجنتان الذهبيتان للظالمين لأنفسهم، فمن يسكن الجنتين الفضتين؟ فعلم أن هذه الجنات المذكورة لا تتناول الظالمين لأنفسهم قالوا: وأيضا فإن أقرب المذكورات إلى ضمير الداخلين
#