طريق الهجرتين وباب السعادتين
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص193
دار السلفية، القاهرة، مصر
الواقعة والمطففين وسورة الإنسان، فأما سورة الواقعة فذكرهم فى أولها وفى آخرها فقال فى أولها: {وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون فى جنات النعيم}
[الواقعة: 7- 12] ، فأصحاب المشأمة هم الظالمون.
وأما أصحاب اليمين فقسمان: أبرار وهم أصحاب الميمنة، وسابقون وهم المقربون، وفى آخرها: {فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم} [الواقعة: 88- 94] ، فذكر حالهم فى القيامة الكبرى فى أول السورة، ثم ذكر حالهم فى القيامة الصغرى فى البرزخ فى آخر السورة، ولهذا قدم قبله ذكر الموت ومفارقة الروح فقال: {فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين} [الواقعة: 83- 87] ثم قال: {فأما إن كان من المقربين} [الواقعة: 88] إلى آخرها.
وأما فى أولها فذكر أقسام الخلق عقب قوله: {إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا وكنتم أزواجا ثلاثة} [الواقعة: 1- 7] ، وأما سورة الإنسان فقال [تعالى] : {إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا} [الإنسان: 4] فهؤلاء الظالمون أصحاب المشأمة قال: {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا} [الإنسان: 5] ، فهؤلاء المقتصدون أصحاب اليمين، ثم قال: {عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا} [الإنسان:6] ، فهؤلاء المقربون السابقون، ولهذا خصهم بالإضافة إليه وأخبر أنهم يشربون بتلك العين صرفا محضا وأنها تمزج للأبرار مزجا كما قال فى سورة المطففين فى شراب الأبرار: {ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون} [المطففين:27-28] وقال: يشرب "بها" المقربون، ولم يقل: "منها" إشعارا بأن شربهم بالعين نفسها خالصة لا بها وبغيرها فضمن
#