شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

طريق الهجرتين وباب السعادتين

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص208

دار السلفية، القاهرة، مصر

صعيد واحد ثم سألوه فأعطى كلا منهم مسألته ما نقص ذلك مما عنده ذرة واحدة إلا كما ينقص المخيط البحر إذا غمس فيه.

ولو أن أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منهم ما زاد ذلك فى ملكه شيئا ذلك بأنه الغنى الجواد الماجد، فعطاؤه [من] كلام وعذابه كلام: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس:82] .

ويشهده كما أخبر عنه أيضا الصادق المصدوق حيث يقول: "إن الله لا ينام ولا ينبغى له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه".

وبالجملة فيشهده فى كلامه فقد تجلى سبحانه وتعالى لعباده فى كلامه وتراءى لهم فيه وتعرف إليهم فيه، فبعدا وتبا للجاحدين والظالمين: {أفى الله شك فاطر السموات والأرض} [إبراهيم: 10] إلا إله إلا هو الرحمن الرحيم.

فإذا صارت صفات ربه وأسماؤه مشهدا لقلبه أنسته ذكر غيره وشغلته عن حب من سواه، وحديث: دواعى قلبه إلى حبه تعالى بكل جزء من أجزاء قلبه وروحه وجسمه، فحينئذ يكون الرب سبحانه سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشى بها. فبه يسمع وبه يبصر، وبه يبطش، وبه يمشى.

كما أخبر عن نفسه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم: "ومن غلظ حجابه وكثف طبعه وصلب عوده فهو عن فهم هذا بمعزل، بل لعله أن يفهم منه ما لا يليق به تعالى من حلول أو اتحاد، أو يفهم منه غير المراد منه فيحرف معناه، ولفظه: {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور: 40] . وقد ذكرت معنى الحديث والرد على من حرفه وغلط فيه فى كتاب "التحفة المكية".

وبالجملة فيبقى قلب العبد- الذى هذا شأنه- عرشا للمثل الأعلى أى عرشا لمعرفة محبوبه ومحبته وعظمته وجلاله وكبريائه، وناهيك بقلب هذا شأنه فياله من قلب من ربه ما أدناه ومن قربه ما أحظاه، فهو ينزه قلبه أن يساكن سواه أو يطمئن بغيره، فهؤلاء قلوبهم قد قطعت الأكوان وسجدت تحت العرش وأبدانهم فى فرشهم كما قال أبو الدرداء: إذا نام العبد المؤمن عرج بروحه حتى تسجد تحت العرش، فإن كان طاهرا أذن لها فى السجود، وإن كان جنبا لم يؤذن لها بالسجود وهذا والله أعلم هو السر الذى لأجله "أمر النبى صلى الله عليه وسلم الجنب إذا أراد النوم أن يتوضأ"، وهو إما واجب على أحد القولين،

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية