طريق الهجرتين وباب السعادتين
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص211
دار السلفية، القاهرة، مصر
لكل آية حظها من العبودية، فتجذب قلبه وروحه إليه آيات المحبة والوداد، والآيات التى فيها الأسماء والصفات، والآيات التى تعرف بها إلى عباده بآلائه وإنعامه عليهم وإحسانه إليهم، وتطيب له السير آيات الرجاء والرحمة وسعة البر والمغفرة، فتكون له بمنزلة الحادى الذى يطيب له السير ويهونه [عليه] ، وتقلقه آيات الخوف والعدل والانتقام وإحلال غضبه بالمعرضين عنه العادلين به غيره المائلين إلى سواه، فيجمعه عليه ويمنعه أن يشرد قلبه عنه.
فتأمل هذه الثلاثة وتفقه فيها، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وبالجملة فيشاهد المتكلم سبحانه وقد تجلى فى كلامه ويعطى كل آية حظها من عبودية قلبه الخاصة الزائدة على نفس فهمها ومعرفة المراد منها، ثم شأن آخر لو فطن له العبد لعلم أنه كان قبل يلعب، كما قيل:
وكنت أرى أن قد تناهى بى الهوى ... إلى غاية ما بعدها لى مذهب
فلما تلاقينا وعاينت حسنها ... تيقنت أنى إنما كنت ألعب
فوا أسفاه وواحسرتاه، كيف ينقضى الزمان وينفد العمر والقلب محجوب ما شم لهذا رائحة، وخرج من الدنيا كما دخل إليها وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيش البهائم وانتقل منها انتقال المفاليس، فكانت حياته عجزا وموته كمدا ومعاده حسرة وأسفا.
اللهم [ولك] الحمد وإليك المستشكى، وأنت المستعان وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك.
فصل
فإذا صلى ما كتب الله جلس مطرقا بين يدى ربه [تعالى] هيبة له وإجلالا، واستغفره استغفار من قد تيقن أنه هالك إن لم يغفر له ويرحمه.
فإذا قضى من الاستغفار وطرا وكان عليه بعد ليل اضطجع على شقه الأيمن مجما نفسه مريحا لها مقويا على أداء وظيفة الفرض، فيستقبله نشيطا بجده وهمته كأنه لم يزل طول ليلته لم يعمل شيئا، فهو يريد أن يستدرك ما فاته فى صلاة الفجر، فيصلى السنة ويبتهل إلى الله بينها وبين الفريضة، فإن لذلك الوقت شأنا يعرفه من عرفه، ويكثر فيه من قول: "يا حى، يا قيوم، لا إله إلا أنت" فلهذا الذكر فى هذا الموطن تأثير عجيب، ثم ينهض إلى صلاة الصبح قاصدا الصف الأول عن يمين الإمام أو خلف قفاه، فإن فاته ذلك قصد القرب منه مهما أمكن فإن للقرب من الإمام تأثيرا فى سر الصلاة، ولهذا القرب تأثير
#