طريق الهجرتين وباب السعادتين
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص268
دار السلفية، القاهرة، مصر
وبره به فى حمله عنه [فيخفف عنه] مؤنة حمله، وتشتغل النفس باستخراج لطائف صنع الله به وبره وحسن اختياره عن شهود حمله فيحصل له لذة بما شهده من ذلك، وفوق هذا مرتبة أرفع منه، وهى أن يشهد أن هذا مراد محبوبه، وإنه بمرأى منه ومسمع، وأنه هديته إلى عبده، وخلعته التى خلعها عليه ليرفل له فى أذيال التذلل والمسكنة والتضرع لعزته وجلاله، فيعلم العبد أن حقيقة المحبة هى موافقة المحبوب فى محابه فيحب ما يحبه محبوبه، فيحب العبد تلك الحال من حيث موافقته لمحبوبه وإن كرهها من حيث الطبع البشرى، فإن هذه الكراهة لا تنافى محبته لها كما يكره طبعه الدواء الكريه وهو يحبه من وجه آخر، وهذا لا ينكر فى المحبة المتعلقة بالمخلوق مع ضعفها وضعف أسبابها، كما قال القائل فى ذلك:
أهوى هواه وبعدى عنه يعجبه ... فالبعد قد صار لى فى حبه أربا
وقال الآخر:
أريد وصاله ويريد هجرى ... فأترك ما أريد لما يريد
وقال الآخر:
وأهنتنى فأهتت نفسى جاهدا ... ما من يهون عليك ممن أكرم
وإنه لتبلغ المحبة بالعبد إلى حيث يفنى بمراد محبوبه عن مراده هو منه. فإذا شهد مراد محبوبه أحبه، وإن كان كريها إليه. فهذا لا ينكر ولا ينافى التألم بمراد المحبوب المنافى للمحب وصبره عليه، بل يجتمع فى حقه الأمران، وتقوى هذه المحبة باستبشاره وعلمه بعاقبة تلك البلوى وإفضائها إلى غاية النعيم واللذة، فكلما قوى علمه بذلك وقويت محبته لمن ذكره بابتلائه ازداد تلذذه بها مع الكراهية الطبيعية التى هى من لوازم الخلقة ولا سيما إذا علم المحب الذى أحب الأشياء إليه أن يجرى ذكره على بال محبوبه أن محبوبه قد ذكره بنوع من الامتحان، فإنه يفرح بذكره له وإن ساءه ما ذكره به كما قال القائل:
لئن ساءنى أن نلتنى بمساءة ... لقد سرنى أنى خطرت ببالكا
الوجه الثامن: قوله: "وهو على ثلاث مقامات مرتبة بعضها فوق بعض، فالأول التصبر- إلى قوله- وهو صبر العوام"، فيقال: لا ريب أن التصبر مؤذن بتكلف
#