شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

طريق الهجرتين وباب السعادتين

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص276

دار السلفية، القاهرة، مصر

والمحاكاة وميل الطبع، وكل واحد من هذه الدواعى يجذب العبد إلى المعصية ويطلب أثره، فكيف إذا اجتمعت وتظاهرت على القلب؟ فأى صبر أقوى من صبر عن إجابتها؟ ولولا أن الله يصبره لما تأتى منه الصبر.

وهذا القول كما ترى حجته فى غاية الظهور، ورجحت طائفة الصبر على الطاعة بناء منها على أن فعل المأمور أفضل من ترك المنهيات، واحتجت على ذلك بنحو من عشرين حجة. ولا ريب أن فعل المأمورات إنما يتم بالصبر عليها، فإذا كان فعلها أفضل كان الصبر عليها أفضل، وفصل النزاع فى ذلك أن هذا يختلف باختلاف الطاعة والمعصية: فالصبر على الطاعة [العظيمة] الكبيرة أفضل من الصبر عن المعصية الصغيرة الدنية، والصبر عن المعصية الكبيرة أفضل من الصبر على الطاعة الصغيرة، وصبر العبد على الجهاد مثلا أفضل وأعظم من صبره عن كثير من الصغائر، وصبره عن كبائر الإثم والفواحش أعظم من صبره على صلاة [الضحى]

وصوم يوم تطوعا ونحوه، فهذا فصل النزاع فى المسألة. والله أعلم.

فصل

والصبر على البلاء ينشأ من أسباب عديدة:

أحدها: شهود جزائها وثوابها.

الثانى: شهود تكفيرها للسيئات ومحوها لها.

الثالث: شهود القدر السابق الجارى بها، وأنها مقدرة فى أم الكتاب قبل أن يخلق فلا بد منها، فجزعه لا يزيده إلا بلاء.

الرابع: شهوده حق الله عليه فى تلك البلوى، وواجبه فيها الصبر بلا خلاف بين الأمة، أو الصبر والرضا على أحد القولين، فهو مأمور بأداء حق الله وعبوديته عليه فى تلك البلوى، فلا بد له منه وإلا تضاعفت عليه.

الخامس: شهود ترتبها عليه بذنبه، كما قال الله تعالى: {ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} [الشورى: 30] ، فهذا عام فى كل مصيبة دقيقة وجليلة، فيشغله شهود هذا السبب بالاستغفار الذى هو أعظم الأسباب فى دفع تلك المصيبة. قال على بن أبى طالب: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع بلاء إلا بتوبة.

السادس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختاره وقسمها وأن العبودية

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية