شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

طريق الهجرتين وباب السعادتين

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص30

دار السلفية، القاهرة، مصر

والتحقق به نظام التوحيد، ومتى من القلب انحل نظام التوحيد، فسبحان من لا يوصل إليه إلا به. ولا يطاع إلا بمشيئته، ولا ينال ما عنده من الكرامة إلا بطاعته ولا سبيل إلى طاعته إلا بتوفيقه ومعونته فعاد الأمر كله إليه كما ابتدأ الأمر كله منه، فهو الأول والآخر وأن إلى ربك المنتهى.

ومن وصل إلى هذا الحال وقع فى يد التقطع والتجريد، وأشرف على مقام التوحيد الخاص، فإن التوحيد نوعان: عام وخاص، كما أن الصلاة نوعان، والذكر نوعان، وسائر القرب كذلك خاصية وعامية، فالخاصية ما بذل فيها العامل نصحه وقصده بحيث يوقعها على أحسن الوجوه وأكملها، والعامية ما لم يكن كذلك. فالمسلمون كلهم مشتركون فى إتيانهم بشهادة أن لا إله إلا الله، وتفاوتهم فى معرفتهم بمضمون هذه الشهادة وقيامهم باطنا وظاهرا أمر لا يحصيه إلا الله عز وجل، وقد ظن كثير من الصوفية أن التوحيد الخاص أن يشهد العبد المحرك له ويغيب عن المتحرك وعن الحركة فيغيب بشهوده عن حركته، ويشهد نفسه شبحا فانيا يجرى على تصاريف المشيئة، كمن غرق فى البحر فأمواجه ترفعه طورا وتخفضه طورا، فهو غائب بها عن ملاحظة حركته فى نفسه، بل قد اندرجت حركته فى ضمن حركة الموج وكأنه لا حركة له بالحقيقة، وهذا وإن ظنه كثير من القوم غاية، وظنه بعضهم لازما من لوازم التوحيد فالصواب أن من ورائه ما هو أجل منه، وغاية هذا الفناء فى توحيد الربوبية، وهو أن لا يشهد ربا وخالقا ومدبرا إلا الله، وهذا هو الحق، ولكن توحيد الربوبية وحده لا يكفى فى النجاة فضلا عن أن يكون شهوده والفناء فيه هو غاية الموحدين ونهاية مطلبهم، فالغاية التى لا غاية وراءها ولا نهاية بعدها الفناء فى توحيد الإلهية وهو أن يفنى بمحبة ربه عن محبة كل ما سواه، وبتألهه عن تأله ما سواه، وبالشوق إليه وإلى لقائه عن الشوق إلى ما سواه، وبالذل [والفقر] له والفقر إليه من جهة كونه معبوده وإلهه ومحبوبه عن الذل إلى كل ما سواه، وكذلك يفنى بخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه، فيرى أنه ليس فى الوجود ما يصلح له ذلك إلا الله، ثم يتصف بذلك حاله وينصبغ به قلبه صبغة ثم يفنى بذلك عما سواه، فهذا هو التوحيد الخاص الذى شمر إليه العارفون، والورد الصافى الذى حام حوله المحبون، ومتى وصل إليه العبد

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية