طريق الهجرتين وباب السعادتين
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص287
دار السلفية، القاهرة، مصر
ليس معولى إلا على مجرد رحمتك، فإن رحمتى وإلا فالهلاك لازم لى فليتدبر اللبيب هذا الدعاء وما فيه من المعارف والعبودية، وفى ضمنه: إنه لو عذبتنى لعدلت فى ولم يتظلمنى، وإنى لا أنجو إلا برحمتك ومغفرتك. ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "لن ينجى أحدا منكم عمله" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمة منه وفضل"، فإذا كان عمل العبد لا يستقل بالنجاة، فلو لم ينجه الله فلم يكن قد بخسه شيئا من حقه ولا ظلمه، فإنه ليس معه ما يقتضى نجاته، وعمله ليس وافيا بشكر القليل من نعمه، فهل يكون ظالما له لو عذبه؟ وهل تكون رحمته له جزاء لعمله، ويكون العمل ثمنا لها مع تقصيره فيه وعدم توفيته ما ينبغى له من بذل النصيحة فيه، وكمال العبودية من الحياء والمراقبة، والمحبة والخشوع وحضور القلب بين يدى الله فى العمل له؟ ومن علم هذا علم السر فى كون أعمال الطاعات تختم بالاستغفار، ففى صحيح مسلم عن ثوبان قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته استغفر ثلاثا. وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام"، قال تعالى: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون} [الذاريات: 17- 18] ، فأخبر عن استغفارهم عقيب صلاة الليل. قال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر، فلما كان السحر جلسوا يستغفرون الله.
وأمر الله تعالى عباده بالاستغفار عقيب الإفاضة فى الحج فقال: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} [البقرة: 199] ، وشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتوضيء أن يختم وضوءه بالتوحيد والاستغفار فيقول: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلنى من التوابين واجعلنى من المتطهرين"، فهذا ونحوه مما يبين حقيقة الأمر، وأن كل أحد محتاج إلى مغفرة الله ورحمته، وأنه لا سبيل إلى النجاة بدون مغفرته ورحمته أصلا.
الجواب الثانى: أنه لو فرض أن العبد يأتى بمقدوره كله من الطاعة ظاهرا وباطنا، فالذى ينبغى لربه [سبحانه] فوق ذلك وأضعاف أضعافه. فإذا عجز العبد عنه لم يستحق ما يترتب عليه من الجزاء. والذى أتى به لا يقابل أقل النعم. فإذا حرم جزاء العمل الذى ينبغى
#