شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

طريق الهجرتين وباب السعادتين

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص34

دار السلفية، القاهرة، مصر

غنى القلب، وهو سلامته من السبب، ومسالمته للحكم، وخلاصه من الخصومة، والدرجة الثانية غنى النفس، وهو استقامتها على المرغوب، وسلامتها من الحظوظ، وبراءتها من المراءاة. والدرجة الثالثة: الغنى الحق وهو ثلاث مراتب: الأولى شهود ذكره إياك، والثانية: دوام مطالعة أوليته، والثالثة: الفوز بوجوده". قلت: ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس"، ومتى استغنت النفس استغنى القلب، ولكن الشيخ قسم الغنى إلى هذه الدرجات بحسب متعلقة فقال: "غنى القلب سلامته من السبب، ومسالمته للحكم، وخلاصه من الخصومة ومعلوم أن هذا شرط فى الغنى، لا أنه نفس الغنى، بل وجود المنازعة والمخاصمة وعدم المسالمة مانع من الغنى، فهذه السلامة والمسالمة دليل على غنى القلب، لا أن غناه بها نفسها، وإنما غنى القلب بالدرجة الثالثة فقط كما سيأتى بيانه إن شاء الله، فالغنى إنما يصير غنيا بحصول ما يسد فاقته ويدفع حاجته. وفى القلب فاقة عظيمة وضرورة تامة وحاجة شديدة لا يسدها إلا فوزه بحصول الغنى الحميد الذى إن حصل للعبد حصل له كل شيء، وإن فاته فاته كل شيء. فكما أنه سبحانه الغنى على الحقيقة ولا غنى سواه، فالغنى به هو الغنى فى الحقيقة ولا غنى بغيره ألبتة، فمن لم يستغن به عما سواه تقطعت نفسه على السوى حسرات، ومن استغنى به زالت عنه كل حسرة وحضره كل سرور وفرح، والله المستعان.

وإنما قدم شيخ الإسلام الكلام على غنى القلب على الكلام على غنى النفس لأن كمال صلاح النفس غناها بالاستقامة من جميع الوجوه، وبلوغها إلى درجة الطمأنينة لا يكون إلا بعد صلاح القلب، وصلاح النفس متقدم على صلاح القلب هكذا قيل، وفيه ما فيه، لأن صلاح كل واحد منهما مقارن لصلاح الآخر. ولكن لما كان القلب هو الملك وكان صلاحه صلاح جميع رعيته كان أولى بالتقديم، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: "إن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهى القلب"، والقلب إذا استغنى بما فاض عليه من مواهب ربه وعطاياه السنية خلع على الأمراء والرعية خلعا تناسبها، فخلع على النفس خلع الطمأنينة والسكينة والرضا والإخبات، فأدت الحقوق سماحة لا كظما بانشراح ورضا ومبادرة، وذلك

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية