شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

طريق الهجرتين وباب السعادتين

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص47

دار السلفية، القاهرة، مصر

فصل: فى ذكر كلمات عن أرباب الطريق فى الفقر والغني

قال يحيى بن معاذ: الفقر أن لا تستغنى بشيء غير الله ورسمه عدم الأسباب كلها. قلت: يريد عدمها فى الاعتماد عليها والطمأنينة بها، بل تصير عدما بالنسبة إلى سبق مسببها بالأولية، وتفرده بالأزلية. وسئل محمد بن عبد الله الفرغانى عن الافتقار إلى الله [تعالى] والاستغناء به فقال: إذا صح الافتقار إلى الله تعالى صح الاستغناء به، وإذا صح الاستغناء به صح الافتقار إليه، فلا يقال أيهما أكمل لأنه لا يتم أحدهما إلا بالآخر. قلت: الاستغناء بالله هو عين الفقر إليه، وهما عبارتان عن معنى واحد، لأن كمال الغنى به هو كمال عبوديته، وحقيقة العبودية كمال الافتقار إليه من كل وجه، وهذا الافتقار هو عين الغنى به، فليس هنا شيئان يطلب تفضيل أحدهما على الآخر، وإنما يتوهم كونهما شيئين بحسب المستغنى عنه والمفتقر إليه، فهى حقيقة واحدة ومقام واحد يسمى "غنى" بالنسبة إلى فراغه عن الموجودات الفانية، و"فقرا" بالنسبة إلى قصر همته وجمعها على الله [عز وجل] ، فهى همة سافرت عن شيء واتصلت بغيره، فسفرها عن الغير غنى، وسفرها إلى الله فقر، فإذا وصلت إليه استغنت به بكمال فقرها إليه، إذ يصير لها بعد الوصول فقر آخر غير فقرها الأول، وإنما يكمل فقرها بهذا الوصول. وسئل رويم عن الفقر فقال: إرسال النفس فى أحكام الله تعالى. قلت: إن

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية