شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

طريق الهجرتين وباب السعادتين

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص49

دار السلفية، القاهرة، مصر

يشير إلى تعلق همته بواجب وقته، وأنه لا تتخطى همته واجب الوقت قبل إكماله. وأيضا يشير إلى قصر أمله، وأن همته غير متعلقة بوقت لا يحدث نفسه ببلوغه وأيضا يشير إلى جمع الهمة على حفظ الوقت، وأن لا يضعفها بتقسيمها على الأوقات.

وقيل: أقل ما يلزم الفقير فى فقره أربعة أشياء: علم يسوسه، وورع يحجزه، ويقين يحمله، وذكر يؤنسه. وقال أبو سهل الخشاب لمنصور المغربى: إنما هو فقر وذل. فقال منصور: بل فقر وعز. فقال أبو سهل: فقر وثرى، فقال منصور: بل فقر وعرش. قلت: أشار أبو سهل إلى البداية ومنصور إلى الغاية. وقال الجنيد: إذا لقيت الفقير فالقه بالرفق ولا تلقه بالعلم، فإن الرفق يؤنسه والعلم يوحشه. فقلت: يا أبا القاسم، كيف يكون فقير يوحشه العلم؟ فقال: نعم، الفقير إذا كان صادقا فى فقره، فطرحت عليه العلم ذاب كما يذوب الرصاص فى النار. وقال أبو المظفر القرميسينى: الفقير هو الذى لا يكون له إلى الله حاجة. قال أبو القاسم القشيرى: وهذا اللفظ فيه أدنى غموض على من سمعه على وصف الغفلة عن مرمى القوم، وإنما أشار قائله إلى سقوط المطالبات، وانتفاء الاختيار، والرضى بما يجريه الحق سبحانه بتارك وتعالى. قلت: وبعد فهو كلام مستدرك خطأ فإن حاجات هذا العبد إلى الله بعدد الأنفاس إذ حاجته ليست كحاجات غيره من أصحاب الحظوظ والأقسام، بل حاجات هؤلاء فى حاجة هذا العبد كتفلة فى بحر، فإن حاجته إلى الله فى كل طرفة عين أن يحفظ عليه حاله ويثبت قلبه ويرقيه فى مقامات العبودية ويصرف عنه ما يفسدها عليه ويعرفه منازل الطريق ومكامنها وأوقاتها ويعرفه مواقع رضاه ليفعلها ويعزم عليها ومواقع سخطه ليعزم على تركها ويجتنبها، فأى حاجات أكثر وأعظم من هذه؟ فالصواب أن يقال: الفقير هو الذى حاجاته إلى الله بعدد أنفاسه أو أكثر، فالعبد له فى كل نفس ولحظة وطرفة عين عدة حوائج إلى الله لا يشعر بكثير منها، فأفقر الناس إلى الله من شعر بهذه الحاجات وطلبها من معدنها بطريقها، وإن كان لا بد من إطلاق تلك العبارة على أن منها كل بد فيقال: هو الذى لا حاجة له إلى الله تخالف مرضاته وتحطه عن مقام العبودية إلى منزلة الاستغناء، وأما أن يقال لا حاجة له إلى الله فشطح قبيح. وأما حمل أبى القاسم لكلامه على إسقاط المطالبات وانتفاء الاختيار والرضى بمجارى الأقدار فإنما يحسن فى

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية