طريق الهجرتين وباب السعادتين
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص63
دار السلفية، القاهرة، مصر
فكما لا تخافهم فلا ترجوهم، ومما يبين ذلك أن غالب الخلق يطلبون إدراك حاجتهم بك وإن كان ذلك ضررا عليك، فإن صاحب الحاجة أعمى لا يرى إلا قضاءها، فهم لا يبالون بمضرتك إذا أدركوا منك حاجتهم، بل لو كان فيها هلاك دنياك وآخرتك لم يبالوا بذلك. وهذا إذا تدبره العاقل علم أنه عداوة فى صورة صداقة، وأنه لا أعدى للعاقل اللبيب من هذه العداوة، فهم يريدون أن يصيروك كالكير ينفخ بطنك ويعصر أضلاعك فى نفعهم ومصالحهم، بل لو أبيح لهم أكلك لجزروك كما يجزرون الشاة، وكم يذبحونك كل وقت بغير سكين [لمصالحهم] ، وكم اتخذوك جسرا ومعبرا لهم إلى أوطارهم وأنت لا تشعر، وكم بعت آخرتك بدنياهم وأنت لا تعلم، وربما علمت. وكم بعت حظك من الله بحظوظهم منك ورحت صفر اليدين، وكم فوتوا عليك من مصالح الدارين وقطعوك عنها وحالوا بينك وبينها، وقطعوا طريق سفرك إلى منازلك الأولى ودارك التى دعيت إليها وقالوا: نحن أحبابك وخدمك، وشيعتك وأعوانك، والساعون فى مصالحك. وكذبوا والله إنهم لأعداء فى صورة أولياء وحرب فى صورة مسالمين، وقطاع طريق فى صورة أعوان. فواغوثاه ثم واغوثاه بالله الذى يغيث ولا يغاث {يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم} [التغابن: 14] ، {يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} [المنافقون: 9] . فالسعيد الرابح من عامل الله فيهم ولم يعاملهم فى الله، وخاف الله فيهم ولم يخفهم فى الله وأرضى الله بسخطهم ولم يرضهم بسخط الله، وراقب الله فيهم ولم يراقبهم فى الله، وآثر الله عليهم ولم يؤثرهم فى الله، وأمات خوفهم ورجاءهم وحبهم من قلبه وأحى حب الله وخوفه ورجاءه فيه، فهذا هو الذى يكتب عليهم، وتكون معاملته لهم كلها ربحا، بشرط أن يصبر على أذاهم ويتخذه مغنما لا مغرما وربحا لا خسرانا.
ومما يوضح الأمر أن الخلق لا يقدر أحد منهم أن يدفع عنك مضرة البتة إلا بإذن الله ومشيئته وقضائه وقدره فهو فى الحقيقة الذى لا يأتى بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا رآد لفضله} [يونس: 107] ، قال النبى صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس: "واعلم
#