طريق الهجرتين وباب السعادتين
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص11
دار السلفية، القاهرة، مصر
بكمال عبوديته لله وبكمال مغفرة الله له، فتأمل قوله تعالى فى الآية: {أنتم الفقرآء إلى الله} [فاطر: 15] ، [فعلق الفقر إليه باسمه] دون اسم الربوبية ليؤذن بنوعى الفقر، فإنه كما تقدم نوعان:
فقر إلى ربوبيته وهو فقر المخلوقات بأسرها، وفقر إلى ألوهيته وهو فقر أنبيائه ورسله وعباده الصالحين، وهذا هو الفقر النافع والذى يشير إليه القوم ويتكلمون عليه ويشيرون إليه هو الفقر الخاص لا العام، وقد اختلفت عباراتهم عنه ووصفهم له، وكل أخبر عنه بقدر ذوقه وقدرته على التعبير، قال شيخ الإسلام الأنصارى: "الفقر اسم للبراءة من رؤية الملكة، وهو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى فقر الزهاد وهو نفض اليدين من الدنيا ضبطا أو طلبا، وإسكات اللسان عنها ذما أو مدحا، والسلامة منها طلبا أو تركا، وهذا هو الفقر الذى تكلموا فى شرفه. الدرجة الثانية: الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل، وهو يورث الخلاص من رؤية الأعمال، ويقطع شهود الأحوال، ويمحص من أدناس مطالعة المقامات. والدرجة الثالثة: صحة الاضطرار والوقوع فى يد التقطع الوحدانى والاحتباس فى بيداء قيد التجريد وهذا فقر الصوفية".
فقوله: "الفقر اسم للبراءة من رؤية الملكة" يعنى أن الفقير هو الذى يجرد رؤية الملك لمالكه الحق، فيرى نفسه مملوكة لله لا يرى نفسه مالكا بوجه من الوجوه، ويرى أعماله مستحقة عليه بمقتضى كونه مملوكا عبدا مستعملا فيما أمره به سيده، فنفسه مملوكة، وأعماله مستحقة بموجب العبودية، فليس مالكا لنفسه ولا لشيء من ذراته ولا لشيء من أعماله. بل كل ذلك مملوك عليه مستحق عليه، كرجل اشترى عبدا بخالص ماله ثم علمه بعض الصنائع، فلما تعلمها قال له: اعمل وأد إلى فليس لك فى نفسك ولا فى كسبك شيء، فلو حصل بيد هذا العبد من الأموال والأسباب ما حصل لم ير له فيها شيئا، بل يراه كالوديعة فى يده، وأنها أموال أستاذه وخزائنه ونعمه بيد عبده، مستودعا متصرفا فيها لسيده لا لنفسه، كما قال عبد الله ورسوله وخيرته من خلقه: "والله إنى لا أعطى أحدا ولا أمنع أحدا، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت"، فهو متصرف فى تلك الخزائن الأمر المحض تصرف العبد المحض
#