طريق الهجرتين وباب السعادتين
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص84
دار السلفية، القاهرة، مصر
على إفسادهن غيره وصعد رجل يوما على سطح دار له، فأشرف على غلام له يفجر بجاريته فنزل وأخذهما ليعاقبهما، فقال الغلام: إن القضاء والقدر لم يدعانا حتى فعلنا ذلك. فقال: لعلمك بالقضاء والقدر أحب إلى من كل شيء، أنت حر لوجه الله. ورأى آخر رجلا يفجر بامرأته، فبادر ليأخذه فهرب، فأقبل يضرب المرأة وهى تقول: القضاء والقدر. فقال: يا عدوة الله أتزنين وتعتذرين بمثل هذا؟ فقالت: أو تركت السنة وأخذت بمذهب ابن عباس، فتنبه ورمى بالسوط من يده واعتذر إليها وقال: لولاك لضللت، ورأى آخر رجلا آخر يفجر بامرأته فقال: ما هذا؟ فقالت: هذا قضاء الله وقدره. فقال: الخيرة فيما قضى الله، فلقب بالخيرة فيما قضى الله، وكان إذا دعى به غضب، وقيل لبعض هؤلاء: أليس [الله عز وجل] يقول: {ولا يرضى لعباده الكفر} [الزمر: 7] فقال: دعنا من هذا، رضيه وأحبه وأراده، وما أفسدنا غيره، ولقد بالغ بعضهم فى ذلك حتى قال: القدر عذر لجميع العصاة، وإنما مثلنا فى ذلك كما قيل:
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم فنعتذر
وبلغ بعض هؤلاء أن عليا مر بقتلى النهروان فقال: بؤسا لكم، لقد ضركم من غركم. فقيل: من غرهم؟ فقال: الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، والأمانى، فقال هذا القائل: كان على قدريا، وإلا فالله غرهم وفعل بهم ما فعل وأوردهم تلك الموارد. واجتمع جماعة من هؤلاء يوما فتذاكروا القدر، فجرى ذكر الهدهد وقوله: {وزين لهم الشيطان أعمالهم} [النمل: 24] فقال: كان الهدهد قدريا أضاف العمل إليهم والتزيين إلى الشيطان، وجميع ذلك فعل الله. وسئل بعض هؤلاء عن قوله تعالى لإبليس: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى} [سورة ص: 75] : أيمنعه، ثم يسأله ما منعه؟ قال: نعم، قضى
#