طريق الهجرتين وباب السعادتين
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص86
دار السلفية، القاهرة، مصر
صادقا، وقد أخطأ إبليس الحجة، ولو كنت حاضرا لقلت له: أنت منعته، وسمع بعض هؤلاء قارئا يقرأ: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} [فصلت: 17] فقال: ليس من هذا شئ، بل أضلهم وأعماهم. قالوا: فما معنى الآية؟ قال: مخرقة يمخرق بها.
فيقال: الله أكبر على هؤلاء الملاحدة أعداء الله حقا الذين ما قدروا الله حق قدره، ولا عرفوه حق معرفته، ولا عظموه حق تعظيمه، ولا نزهوه عما لا يليق به، وبغضوه إلى عباده وبغضوهم إليه سبحانه، وأساؤوا الثناء عليه جهدهم وطاقتهم، وهؤلاء خصماء الله حقا الذين جاء فيهم الحديث: "يقال يوم القيامة: أين خصماء الله؟ فيؤمر بهم إلى النار". قال شيخ الإسلام ابن تيمية فى تائيته:
ويدعى خصوم الله يوم معاده ... إلى النار طرا فرقة القدرية
سواء نفوه أو سعوا ليخاصموا ... به الله أو ماروا به للشريعة
وسمعته يقول: القدرية المذمومون فى السنة وعلى لسان السلف هم هؤلاء الفرق الثلاث: نفاته، وهم القدرية المجوسية، والمعارضون به للشريعة الذين قالوا: {لو شاء الله ما أشركنا} [الأنعام: 148] ، وهم القدرية الشركية والمخاصمون به للرب سبحانه وهم أعداء الله وخصومه وهم القدرية الإبليسية. وشيخهم إبليس، وهو أول من احتج على الله بالقدر فقال: {بما أغويتنى} [الحجر: 39] ، ولم يعترف بالذنب يبوء به كما اعترف به آدم، فمن أقر بالذنب وباء به ونزه ربه فقد أشبه أباه آدم، ومن أشبه أباه فما ظلم. ومن برأ نفسه واحتج على ربه بالقدر فقد أشبه إبليس. ولا ريب أن هؤلاء القدرية الإبليسية والشركية شر من القدرية النفاة، لأن النفاة إنما نفوه تنزيها للرب [تعالي] وتعظيما له أن يقدر الذنب ثم يلوم عليه ويعاقب، ونزهوه أن يعاقب العبد على ما لا صنع للعبد فيه البتة بل هو بمنزلة طوله وقصره وسواده وبياضه [وحوله] ونحو ذلك، كما يحكى عن بعض الجبرية أنه حضر مجلس بعض الولاة فأتى
#