تأويل مختلف الحديث
ابن قتيبة • علوم الحديث • ص 217
المكتب الاسلامي - مؤسسة الإشراق
وكيف يجوع، من وقف سبع حوائط متجاورة بالعالية1.
ثم لا يجد -مع هذا- من يقرضه أصواعا من شعير، حتى يرهن درعه؟!!
قال أبو محمد: ونحن نقول إنه ليس في هذا ما يستعظم، بل ما ينكر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤثر على نفسه بأمواله، ويفرقها على المحقين من أصحابه، وعلى الفقراء والمساكين، وفي النوائب التي تنوب المسلمين، ولا يرد سائلا، ولا يعطي إذا وجد إلا كثيرا، ولا يضع درهما فوق درهم، وقالت له أم سلمة: يا رسول الله أراك ساهم2 الوجه، أمن علة؟ فقال: "لا، ولكنها السبعة الدنانير، التي أتينا بها أمس، نسيتها في خصم 3 الفراس فبت ولم أقسمها" 4.
وكانت عائشة رضي الله عنها تقول في بكائها عليه: "بأبي، من لم ينم على الوثير5 ولم يشبع من خبز الشعير"6.
وليس يخلو قولها هذا، من أحد أمرين:
إما أن يكون يؤثر بما عنده، حتى لا يبقى عنده ما يشبعه -وهذا بعض صفاته، والله عز وجل يقول: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} 7، أو يكون لا يبلغ الشبع من الشعير، ولا من غيره، لأنه كان يكره إفراط الشبع، وقد كره ذلك كثير من الصالحين والمجتهدين، وهو صلى الله عليه وسلم، أولاهم بالفضل، وأحراهم بالسبق،