تأويل مختلف الحديث
ابن قتيبة • علوم الحديث • ص 83
المكتب الاسلامي - مؤسسة الإشراق
وتصحيحه الخبرين عنه فكيف يصح هذا عن ابن مسعود، مع ثاقب فهمه، وبارع علمه، وتقدمه في الستة1 الذين انتهى إليهم العلم بها، واقتدت بهم الأمة مع خاصته برسول الله صلى الله عليه وسلم ولطف محله.
وكيف يجوز عليه أن يقر بالكذب هذا الإقرار؟ فيقول: اليوم شهدت، ويقول غدا: لم أشهد، ولو جهد عدوه، أن يبلغ منه ما بلغه من نفسه ما قدر، ولو كان به خبل، أو عته، أو آفة، ما زاد على ما وسم به نفسه.
وأصحاب الحديث لا يثبتون حديث الزط، وما ذكر من حضوره مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، وهم القدوة عندنا في المعرفة بصحيح الأخبار وسقيمها، لأنهم أهلها والمعتنون بها2. وكل ذي صناعة أولى بصناعته.
غير أنا لا نشك في بطلان أحد الخبرين لأنه لا يجوز على عبد الله بن مسعود، أنه يخبر الناس عن نفسه بأنه قد كذب، ولا تسقط3 عندهم مرتبته، ولو فعل ذلك، لقيل له: فلم خبرتنا أمس بأنك شهدت؟
فإن كان الأمر على ما قال أصحاب الحديث، فقد سقط4 الخبر الأول، وإن كان الحديثان جميعا صحيحين، فلا أرى الناقل للخبر الثاني إلا وقد أسقط منه حرفا5، وهو "غيري"؛ يدلك على ذلك أنه قال: قيل له، أكنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ فقال: "ما شهدها أحد منا غيري".
فأغفل الراوي "غيري" إما بأنه لم يسمعه، أو بأنه سمعه فنسيه6 أو بأن الناقل عنه أسقطه.
وهذا وأشباهه قد يقع ولا يؤمن.