تأويل مشكل القرآن
ابن قتيبة • علوم القرآن • ص 233
تحقيق: إبراهيم شمس الدين — دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
يريد: آنف.
وحكى أبو عبيد، عن أبي عمرو، أنه قال في قوله تعالى: فأنا أول العابدين [الزخرف: 81] : هو من الغضب والأنفة. ففسر الحرف بالمعنيين لتقاربهما.
فكأن نبي الله، صلى الله عليه وسلم، لما أخبرهم عن الله أنه منزل العذاب عليهم لأجل، ثم بلغه بعد مضي الأجل أنه لم يأتهم ما وعدهم- خشي أن ينسب إلى الكذب ويعير به، ويحقق عليه، لا سيما ولم تكن قرية آمنت عند حضور العذاب فنفعها إيمانها غير قومه، فدخلته الأنفة والحمية، وكان مغيظا بطول ما عاناه من تكذيبهم وهزئهم وأذاهم واستخفافهم بأمر الله، مشتهيا لأن ينزل بأس الله بهم. هذا إلى ضيق صدره، وقلة صبره على ما صبر على مثله أولوا العزم من الرسل.
وقد روي في الحديث أنه كان ضيق الصدر، فلما حمل أعباء النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل، فمضى على وجهه مضي الآبق الناد.
يقول الله سبحانه: وإن يونس لمن المرسلين (139) إذ أبق إلى الفلك المشحون (140)
[الصافات: 139، 140] .
فظن أن لن نقدر عليه، أي لن نضيق عليه، وأنا نخليه ونهمله. والعرب تقول: فلان مقدر عليه في الرزق، ومقتر عليه، بمعنى واحد، أي مضيق عليه. ومنه قوله تعالى: وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه [الفجر: 16] . وقدر- بالتخفيف والتثقيل- قال أبو عمرو بن العلاء: قتر وقتر وقدر وقدر، بمعنى واحد، أي ضيق. فعاقبه الله عن حميته وأنفته وإباقته، وكراهيته العفو عن قومه، وقبول إنابتهم- بالحبس له، والتضييق عليه في بطن الحوت.
وفي رواية أبي صالح: أن ملكا من ملوك بني إسرائيل كان أمره بالمسير إلى نينوى ليدعو أهلها بأمر شعياء النبي صلى الله عليه وسلم، فأنف من أن يكون ذهابه إليهم بأمر أحد غير الله تعالى، فخرج مغاضبا للملك، فعاقبه الله بالتقام الحوت.
قال: فلما قذفه الحوت بعثه الله إلى قومه فدعاهم. وأقام بينهم حتى آمنوا.
في سورة يوسف
حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء [يوسف: 110] .
#