تأويل مشكل القرآن
ابن قتيبة • علوم القرآن • ص 52
تحقيق: إبراهيم شمس الدين — دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
وإذا دخل الشهر الحرام تقسمتهم الرحل، وتوزعتهم النخع، وانبسطوا في متاجرهم، وأمنوا على أموالهم وأنفسهم.
وإذا أهدى الرجل منهم هديا، أو قلد بعيره من لحاء شجر الحرم- أمن كيف تصرف وحيث سلك.
ولو ترك الناس على جاهليتهم وتغاورهم في كل موضع وكل شهر- لفسدت الأرض، وفني الناس، وتقطعت السبل، وبطلت المتاجر. ففعل الله ذلك لعلمه بما فيه من صلاح شؤونهم، وليعلموا كما علم ما فيه من الخير لهم- أنه يعلم أيضا ما في السموات وما في الأرض من مصالح العباد ومرافقهم، وأنه بكل شيء عليم.
وقولهم: وأين قوله: ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته من قوله: إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور [لقمان: 31] .
ولم يرد الله في هذا الموضع معنى الصبر والشكر خاصة، وإنما أراد: إن في ذلك لآيات لكل مؤمن. والصبر والشكر أفضل ما في المؤمن من خلال الخير، فذكره الله عز وجل في هذا الموضع بأفضل صفاته. وقال في موضع آخر: إن في ذلك لآية للمؤمنين (77) [الحجر: 77] . وفي موضع آخر: لقوم يتفكرون [النحل: 69] ولقوم يعقلون [النحل: 67] وإنما يتذكر أولوا الألباب [الرعد: 19] يعني المؤمنين.
ومثله قوله تعالى في قصة سبإ: ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور [سبأ: 19] . وهذا كما تقول: أن في ذلك لآية لكل موحد مصل، ولكل فاصل تقي. وإنما تريد المسلمين.
وقوله: كمثل غيث أعجب الكفار نباته [الحديد: 20] فإنما يريد بالكفار هاهنا:
الزراع، واحدهم كافر. وإنما سمي كافرا لأنه إذا ألقى البذر في الأرض كفره، أي غطاه، وكل شيء، غطيته فقد كفرته، ومنه قيل: تكفر فلان في السلاح: إذا تغطى.
ومنه قيل لليل كافر، لأنه يستر بظلمته كل شيء. ومنه قول الشاعر «1» :
يعلو طريقة متنها متواترا ... في ليلة كفر النجوم غمامها