تأويل مشكل القرآن
ابن قتيبة • علوم القرآن • ص 54
تحقيق: إبراهيم شمس الدين — دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
وإنما استثنى الموتة الأولى وهي في الدنيا، لأن السعداء حين يموتون يصيرون بما شاء الله من لطفه وقدرته، إلى أسباب من أسباب الجنة، ويتفاضلون أيضا في تلك الأسباب على قدر منازلهم عند الله: فمنهم من يلقى بالروح والريحان، ومنهم من يفتح له باب إلى الجنة، ومنهم الشهداء أرواحهم في حواصل طير خضر تعلق في الجنة. أي تأكل، قال الشاعر «1» :
إن تدن من فنن الألاءة تعلق وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين يطير مع الملائكة في الجنة.
والله يقول: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (169) [آل عمران: 169] .
أفما ترى أنهم عندنا موتى وهم في الجنة متصلون بأسبابها؟ فكيف لا يجوز أن يستثنى من مكثهم فيها الموتة الأولى؟.
وأما قوله: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (96) [مريم: 96] ، فإنه ليس على تأولهم، وإنما أراد أنه يجعل لهم في قلوب العباد محبة.
فأنت ترى المخلص المجتهد محببا إلى البر والفاجر، مهيبا مذكورا بالجميل. ونحوه قول الله سبحانه في قصة موسى صلى الله عليه وسلم: وألقيت عليك محبة مني [طه: 39] ، ولم يرد في هذا الموضع أني أحببتك، وإن كان يحبه، وإنما أراد أنه حببه إلى القلوب، وقربه من النفوس، فكان ذلك سببا لنجاته من فرعون، حتى استحياه في السنة التي كان يقتل فيها الولدان.
وأما قوله: وجعلنا نومكم سباتا (9) [النبأ: 9] ، فليس السبات هاهنا: النوم، فيكون معناه: وجعلنا نومكم نوما. ولكن السبات الراحة: أي جعلنا النوم راحة لأبدانكم. ومنه قيل: يوم السبت، لأن الخلق اجتمع في يوم الجمعة، وكان الفراغ منه يوم السبت، فقيل لبني إسرائيل: استريحوا في هذا اليوم، ولا تعملوا شيئا، فسمي يوم السبت، أي يوم الراحة. وأصل السبت: التمدد، ومن تمدد استراح. ومنه قيل: رجل مسبوت، ويقال: سبتت المرأة شعرها: إذا نقضته من العقص وأرسلته. قال أبو وجزة السعدي «2» :