تأويل مشكل القرآن
ابن قتيبة • علوم القرآن • ص 75
تحقيق: إبراهيم شمس الدين — دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
وأما قوله: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء [الشورى: 51] فالوحي الأول: ما أراه الله تعالى الأنبياء في منامهم.
والكلام من وراء الحجاب: تكليمه موسى.
والكلام بالرسالة: إرساله الروح الأمين بالروح من أمره إلى من يشاء من عباده.
ولا يقال لمن ألهمه الله: كلمه الله، لما أعلمتك من الفرق بين (الكلام) (والقول) .
ولا يجوز أن يكون قوله للملائكة وإبليس، وطول مراجعته إياه في السجود، والخروج من الجنة، والنظرة إلى يوم البعث- إلهاما. هذا ما لا يعقل. وإن كان ذلك تسخيرا فكيف يسخر لشيء يمتنع منه؟.
وأما تأويلهم في قوله جل وعز للسماء والأرض: ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين [فصلت: 11] : إنه عبارة عن تكوينه لهما. وقوله لجهنم: هل امتلأت وتقول هل من مزيد [ق: 30] إنه إخبار عن سعتها- فما يحوج إلى التعسف والتماس المخارج بالحيل الضعيفة؟ وما ينفع من وجود ذلك في الآية والآيتين والمعنى والمعنيين- وسائر ما جاء في كتاب الله عز وجل من هذا الجنس، وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم- ممتنع عن مثل هذه التأويلات؟.
وما في نطق جهنم ونطق السماء والأرض من العجب؟ والله تبارك وتعالى ينطق الجلود، والأيدي، والأرجل، ويسخر الجبال والطير، بالتسبيح. فقال: إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق (18) والطير محشورة كل له أواب (19) [ص: 19] وقال:
يا جبال أوبي معه والطير [سبأ: 10] أي سبحن معه. وقال: وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا [الإسراء: 44] .
وقال في جهنم: تكاد تميز من الغيظ [الملك: 8] أي تنقطع غيظا عليهم كما تقول: فلان يكاد ينقد غيظا عليك، أي ينشق.
وقال: إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا (12) [الفرقان: 12] .
وروي في الحديث أنها تقول: (قط قط) «1» أي حسبي.