تأويل مشكل القرآن
ابن قتيبة • علوم القرآن • ص 78
تحقيق: إبراهيم شمس الدين — دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
إذا حثهن الركب في مدلهمة ... أحاديثها مثل اصطخاب الضرائر
وكقول زهير «1» :
تسمع للجن عازفين بها ... تضبح عن رهبة ثعالبها
في أشباه لهذا كثيرة- طلبوا الحيلة فقالوا: علة ما يسمعون من هذا ويرون- انفراد القوم وتوحشهم في الفلوات والقفار، ومن انفرد فكر وتوهم واستوحش وتخيل، فرأى ما لا يرى، وسمع ما لا يسمع، كما قال حميد بن ثور «2» :
مفزعة تستحيل الشخوص ... من الخوف تسمع ما لا ترى
وقالوا: ومن أحناش الأرض، وأحناش الطير في المهامة والرمال- ما لا يظهر ولا يصوت إلا بالليل كالصدى والضوع والبوم واليراع، فإذا سمع أحدهم حسيس هامة، أو زقاء بوم، أو رأى لمع يراعة من بعد- وجب قلبه، وقف شعره، وذهبت به الظنون.
وقالوا: في النهار ساعات تتغير فيها مناظر الأشباح، وتتضاعف أعدادها، وفربما رئي الصغير كبيرا، والكبير صغيرا، والواحد اثنين، وقد يسمع لأصوات الفلا والحرار، مثل الدوي، ولذلك قال ذو الرمة «3» :
إذا قال حادينا لتشبيه نبأة ... صه، لم يكن إلا دوي المسامع
وبهذا سميت الفلاة: دوية، كأن الدو حكاية ما يسمعون، ثم نسب المكان إليه، قال الأعشى «4» :
فوق ديمومة تخيل بالسفر ... قفارا إلا من الآجال
يريد بقوله: تخيل بالسفر، أنهم يرونها مرة على هيئة، ومرة على هيئة، قال كعب ابن زهير «5» :
وصرماء مذكار كأن دويها ... بعيد جنان الليل مما يخيل
حديث أناسي فلما سمعته ... إذا ليس فيه ما أبين فأعقل