التوابين
ابن قدامة المقدسي • التزكية والرقائق • ج1 ص143
دار ابن حزم
فأتيت أبي فقلت: هذا الرجل يا أبت.
فقال له أبي: ممن الرجل؟ قال: من العرب قال: وما اسمك؟ قال: منازل بن لاحق.
قال: وما شأنك وما قصتك؟ قال: وما قصة من أسلمته ذنوبه وأوبقته عيوبه فهو مرتطم في بحر الخطايا.
فقال له أبي: علي ذلك فاشرح لي خبرك.
قال: كنت شابا على اللهو والطرب لا أفيق عنه وكان لي والد يعظني كثيرا ويقول: يا بني! احذر هفوات الشباب وعثراته فإن لله سطوات ونقمات ما هي من الظالمين ببعيد وكان إذا ألح علي بالموعظة ألححت عليه بالضرب فلما كان يوم من الأيام ألح علي بالموعظة فأوجعته ضربا فحلف بالله مجتهدا ليأتين بيت الله الحرام فيتعلق بأستار الكعبة ويدعو علي فخرج حتى انتهى إلى البيت فتعلق بأستار الكعبة وأنشأ يقول:
يا من إليه أتى الحجاج قد قطعوا ... عرض المهامه من قرب ومن بعد
إني أتيتك يا من لا يخيب من ... يدعوه مبتهلا بالواحد الصمد
هذا منازل لا يرتد عن عققي ... فخذ بحقي يا رحمان من ولدي
وشل منه بحول منك جانبه ... يا من تقدس لم يولد ولم يلد
قال: فوالله ما استتم كلامه حتى نزل بي ما ترى ثم كشف عن شقه الأيمن فإذا هو يابس.
قال: فأبت ورجعت ولم أزل أترضاه وأخضع له وأسأله العفو عني إلى أن أجابني أن يدعو لي في المكان الذي دعا علي.
قال: فحملته على ناقة عشراء وخرجت أقفو أثره حتى إذا صرنا بوادي الأراك طار طائر من شجرة فنفرت الناقة فرمت به بين أحجار فرضخت رأسه فمات فدفتنه هناك وأقبلت آيسا وأعظم ما بي ما ألقاه من التعيير أني لا أعرف إلا بالمأخوذ بعقوق والديه.
فقال له أبي: أبشر فقد أتاك الغوث فصلى ركعتين ثم أمره فكشف عن شقه بيده ودعا له مرات يرددهن فعاد صحيحا كما كان.
وقال له أبي: لولا أنه قد كان سبقت إليك من أبيك في الدعاء لك بحيث دعا عليك لما دعوت لك.
#