التوابين
ابن قدامة المقدسي • التزكية والرقائق • ج1 ص64
دار ابن حزم
ولعمري إن أشرف مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس لبدر وما أحب أني كنت شهدتها مكان بيعتي ليلة العقبة حيث تواثقنا على الإسلام.
ثم لم أتخلف بعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة غزاها حتى إذا كانت غزوة تبوك وهي آخر غزاة غزاها وآذن النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالرحيل وأراد أن يتأهبوا أهبة غزوهم وذلك حين طابت الظلال وطابت الثمار وكان قلما أراد غزوة إلا ورى بغيرها وكان يقول: "الحرب خدعة" إلا غزوة تبوك فإنه جلى للناس أمرهم فأراد النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أن يتأهب الناس أهبته وأنا أيسر ما كنت قد جمعت راحلتين وأنا أقدر شيء في نفسي على الجهاد وخفة الحاذ وأنا في ذلك أصغي إلى الظلال وطيب الثمار.
فلم أزل كذلك حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا بالغداة وذلك يوم الخميس وكان يحب أن يخرج يوم الخميس فأصبح غاديا فقلت: أنطلق غدا إلى السوق فأشتري جهازي ثم ألحق بهم فانطلقت إلى السوق من الغد فعسر علي بعض شأني فرجعت فقلت: أرجع غدا إن شاء الله فألحق بهم فعسر علي بعض شأني أيضا فقلت: أرجع غدا إن شاء الله فلم أزل كذلك حتى ألبس بي الذنب وتخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فجعلت أمشي في الأسواق وأطوف بالمدينة فيحزنني أني لا أرى أحدا تخلف إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق وكان ليس أحد تخلف إلا رأى أن ذلك سيخفى له وكان الناس كثيرا لا يجمعهم ديوان وكان جميع من تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم بضعة وثمانين رجلا.
ولم يذكرني النبي صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوكا قال: "ما فعل كعب بن مالك؟ " قال رجل من قومي: خلفه يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه! فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت! والله يا نبي الله ما علمنا عليه إلا خيرا قال: فبينما هم كذلك إذا هم برجل يزول به السراب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كن أبا خيثمة" فإذا هو أبو خيثمة.
فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك وقفل ودنا من المدينة جعلت أتذكر بماذا أخرج به من سخط النبي صلى الله عليه وسلم وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي حتى إذا قيل: النبي صلى الله عليه وسلم هو مصبحكم غدا بالغداة زاح عني الباطل وعرفت أني لا أنجو إلا بالصدق.
فدخل النبي صلى الله عليه وسلم ضحى فصلى في المسجد - وكان إذا جاء من سفر فعل
#