أسد الغابة في معرفة الصحابة — ج 1
ابن الأثير • التاريخ والتراجم • ج1 ص22
دار الفكر - بيروت
ذكر وفاة أمه وجده وكفالة عمه ابى طالب له
وبالإسناد عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر [بن محمد [1]] بن عمرو بن حزم، قال:
قدمت آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم برسول الله صلى الله عليه وسلم على أخواله بنى عدي بن النجار المدينة، ثم رجعت فماتت بالأبواء [2] ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ست سنين، وقيل: ماتت بمكة ودفنت في شعب بى دب، والأول أصح.
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جده عبد المطلب قال: فحدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله قال: كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، وكان لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتى حتى يجلس عليه، فيذهب أعمامه يؤخرونه، فيقول عبد المطلب:
دعوا ابني، ويمسح على ظهره، ويقول: إن لابني هذا لشأنا، فتوفى عبد المطلب، والنبي ابن ثمان سنين، وكان قد كف بصره قبل موته.
وكان عبد المطلب أول من خضب بالوسمة، ولما حضره الموت جمع بنيه وأوصاهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، فاقترع الزبير وأبو طالب أيهما يكفل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصابت القرعة أبا طالب فأخذه إليه، وقيل: بل اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم على الزبير، وكان ألطف عميه به، وقيل: أوصى عبد المطلب أبا طالب به، وقيل: بل كفله الزبير حتى مات، ثم كفله أبو طالب بعده، وهذا غلط، لأن الزبير شهد حلف الفضول بعد موت عبد المطلب، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ نيف وعشرون سنة.
وأجمع العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شخص مع عمه أبى طالب إلى الشام بعد موت عبد المطلب بأقل من خمس سنين فهذا يدل على أن أبا طالب كفله، ثم إن أبا طالب سار إلى الشام وأخذ معه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عمره اثنتي عشرة سنة وقيل: تسع سنين والأول أكثر، فرآه بحيرا [3] الراهب، ورأى علائم النبوة، وكانوا يتوقعون ظهور نبي من قريش، فقال لعمه: ما هذا منك؟ قال: ابني، قال: لا ينبغي أن يكون أبوه حيا، قال: هو ابن أخى. قال: إني لأحسبه الذي بشر به عيسى فان زمانه قد قرب فاحتفظ به، فرده إلى مكة.
ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد مع عمومته حرب الفجار [4] ، يوم نخلة، وهو من أعظم أيام الفجار. والفجار حرب كانت بين قريش ومعها كنانة، وبين قيس وقد ذكرناه في الكامل، وهو من أعظم أيام العرب، وكان يناولهم النبل ويحفظ متاعهم، وكان عمره يومئذ نحو عشرين سنة أو ما يقاربها.