عيون الأخبار
ابن قتيبة • الأدب • ج1 ص198
دار الكتب العلمية -بيروت
أمامي، ففعل به ذلك وأمر به فألقي حيث وصف له. فلما مر به فيروز سأله عن أمره فأخبره أن اخشنوار فعل ذلك به وأنه احتال حتى حمل إلى ذلك الموضع ليدله على عورته وغرته وقال: إني أدلك على طريق هو أقرب من هذا الذي تريدون سلوكه وأخفى، فلا يشعر اخشنوار حتى تهجموا عليه فينتقم الله لي منه بكم، وليس في هذا الطريق من المكروه إلا تفويز يومين ثم تفضون إلى كل ما تحبون. فقبل فيروز قوله بعد أن أشار عليه وزراؤه بالاتهام له والحذر منه وبغير ذلك، فخالفهم وسلك الطريق حتى انتهى بهم إلى موضع من المفازة لا صدر عنه ثم بين لهم أمره فتفرقوا في المفازة يمينا وشمالا يلتسمون الماء فقتل العطش أكثرهم ولم يخلص مع فيروز منهم إلا عدة يسيرة فإنهم انطلقوا معه حتى أشرفوا على أعدائهم وهم مستعدون لهم فواقعهم على تلك الحالة وعلى ما بهم من الضر والجهد فاستمكنوا منهم وأعظموا النكاية فيهم، ثم رغب فيروز إلى اخشنوار وسأله أن يمن عليه وعلى من بقي من أصحابه على أن يجعل لهم عهد الله وميثاقه ألا يغزوه أبدا فيما يستقبل من عمره وعلى أنه يحد فيما بينه وبين مملكته حدا لا تجاوزه جنوده، فرضي اخشنوار بذلك وخلى سبيله وانصرف إلى مملكته، فمكث فيروز برهة من دهره كئيبا ثم حمله الأنف على أن يعود لغزوه ودعا أصحابه إلى ذلك فردوه عنه وقالوا: إنك قد عاهدته ونحن نتخوف عليك عاقبة البغي والغدر مع ما في ذلك من العار وسوء المقالة. فقال لهم: إني إنما شرطت له ألا أجوز الحجر الذي جعلته بيني وبينه فأنا آمر بالحجر ليحمل على عجلة أمامنا.
فقالوا له: أيها الملك، إن العهود والمواثيق التي يتعاطاها الناس بينهم لا تحمل على ما يسر المعطي لها ولكن على ما يعلن المعطى، وإنك إنما جعلت له عهد الله وميثاقه على الأمر الذي عرفه لا على أمر لم يخطر بباله. فأبى
#
