عيون الأخبار
ابن قتيبة • الأدب • ج2 ص41
دار الكتب العلمية -بيروت
قال الجاحظ: قلت مرة للحزامي: قد رضيت بقول الناس: عبد الله بخيل؛ قال: لا أعدمني الله هذا الاسم؛ قلت: كيف؟ قال: لأنه لا يقال فلان بخيلا إلا وهو ذو مال، فسلم لي المال وادعني بأي اسم شئت؛ قلت: ولا يقال سخي إلا وهو ذو مال، فقد جمع هذا الاسم المال والحمد وجمع هذا الاسم المال والذم؛ قال: بينهما فرق؛ قلت: هاته: قال: في قولهم بخيل تثبيت لإقامة المال في ملكه، وفي قولهم: سخي إخبار عن خروج المال عن ملكه، واسم البخل اسم فيه حزم وذم، واسم السخاء اسم فيه تضييع وحمد، والمال راهن «1» نافع ومكرم لأهله معز، والحمد ريح وسخرية واستماعه ضعف وفسولة «2» ، وما أقل، والله، غناء الحمد عنه إذا جاع بطنه وعري جلده وضاع عياله وشمت عدوه! وكان محمد بن الجهم يقول: من شأن من استغنى عنك ألا يقيم عليك، ومن احتاج إليك ألا يذهب عنك، فمن ضن بصديقه وأحب الاستكثار منه وأحب التمتع به احتال في دوام رغبته بأن يقيم له ما يقوته ويمنعه ما يغنيه عنه، فإن من الزهد فيه أن تغنيه عنك ومن الرغبة فيه أن تحوجه إليك؛ وإبقاؤك مع الضن به أكرم من إغنائك له مع الزهد فيه؛ وقيل في مثل: «أجع كلبك يتبعك» . فمن أغنى صديقه فقد أعانه على الغدر وقطع أسبابه من الشكر؛ والمعين على الغدر شريك الغادر، كما أن مزين الفجور شريك الفاجر. قال: وأوصى عند موته وقال في وصيته: يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الثلث، والثلث كثير» ؛ وأنا أزعم أن ثلث الثلث كثير، والمساكين حقوقهم في بيت المال، إن طلبوا طلب الرجال أخذوه، وإن جلسوا جلوس النساء
#
