شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

زاد المعاد في هدي خير العباد — ج 2

ابن قيم الجوزية • السيرة النبوية • ج2 ص34

مؤسسة الرسالة، بيروت - مكتبة المنار الإسلامية، الكويت

وقد قالت عائشة: ( «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم» ) . متفق عليه.

وقالت طائفة أخرى: لا يجوز الوصال، منهم مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري رحمهم الله، قال ابن عبد البر، وقد حكاه عنهم: إنهم لم يجيزوه لأحد، قلت: الشافعي رحمه الله نص على كراهته، واختلف أصحابه هل هي كراهة تحريم أو تنزيه؟ على وجهين، واحتج المحرمون بنهي النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: والنهي يقتضي التحريم.

قالوا: وقول عائشة: " رحمة لهم " لا يمنع أن يكون للتحريم، بل يؤكده، فإن من رحمته بهم أن حرمه عليهم، بل سائر مناهيه للأمة رحمة وحمية وصيانة.

قالوا: وأما مواصلته بهم بعد نهيه فلم يكن تقريرا لهم، كيف وقد نهاهم، ولكن تقريعا وتنكيلا، فاحتمل منهم الوصال بعد نهيه لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم، وبيان الحكمة في نهيهم عنه بظهور المفسدة التي نهاهم لأجلها، فإذا ظهرت لهم مفسدة الوصال وظهرت حكمة النهي عنه كان ذلك أدعى إلى قبولهم وتركهم له، فإنهم إذا ظهر لهم ما في الوصال وأحسوا منه الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهم وأرجح من وظائف الدين من القوة في أمر الله، والخشوع في فرائضه، والإتيان بحقوقها الظاهرة والباطنة - والجوع الشديد ينافي ذلك ويحول بين العبد وبينه - تبين لهم حكمة النهي عن الوصال، والمفسدة التي فيه لهم دونه.

قالوا: وليس إقراره لهم على الوصال لهذه المصلحة الراجحة بأعظم من إقرار الأعرابي على البول في المسجد لمصلحة التأليف، ولئلا ينفر عن الإسلام، ولا بأعظم من إقراره

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية