زاد المعاد في هدي خير العباد — ج 4
ابن قيم الجوزية • السيرة النبوية • ج4 ص15
مؤسسة الرسالة، بيروت - مكتبة المنار الإسلامية، الكويت
قدره بقدره وهذا الرد من قدره) ، فلا سبيل إلى الخروج عن قدره بوجه ما، وهذا كرد قدر الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، وكرد قدر العدو بالجهاد وكل من قدر الله الدافع والمدفوع والدفع.
ويقال لمورد هذا السؤال: هذا يوجب عليك أن لا تباشر سببا من الأسباب التي تجلب بها منفعة أو تدفع بها مضرة؛ لأن المنفعة والمضرة إن قدرتا لم يكن بد من وقوعهما، وإن لم تقدرا لم يكن سبيل إلى وقوعهما، وفي ذلك خراب الدين والدنيا وفساد العالم وهذا لا يقوله إلا دافع للحق معاند له، فيذكر القدر ليدفع حجة المحق عليه كالمشركين الذين قالوا: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} [الأنعام: 148] [الأنعام 148] و {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا} [النحل: 35] [النحل: 35] فهذا قالوه دفعا لحجة الله عليهم بالرسل.
وجواب هذا السائل أن يقال: بقي قسم ثالث لم تذكره، وهو أن الله قدر كذا وكذا بهذا السبب، فإن أتيت بالسبب حصل المسبب وإلا فلا، فإن قال: إن كان قدر لي السبب، فعلته، وإن لم يقدره لي لم أتمكن من فعله.
قيل: فهل تقبل هذا الاحتجاج من عبدك، وولدك، وأجيرك إذا احتج به عليك فيما أمرته به، ونهيته عنه فخالفك؟ فإن قبلته، فلا تلم من عصاك، وأخذ مالك، وقذف عرضك، وضيع حقوقك، وإن لم تقبله، فكيف يكون مقبولا منك في دفع حقوق الله عليك؟ . وقد روي في أثر إسرائيلي أن إبراهيم الخليل قال: يا رب ممن الداء؟ قال: " مني ". قال: فممن الدواء "؟ قال " مني ". قال فما بال الطبيب؟ . قال " رجل أرسل الدواء على يديه ".
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ( «لكل داء دواء» ) تقوية لنفس المريض والطبيب، وحث على طلب ذلك الدواء والتفتيش عليه، فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يزيله، تعلق قلبه بروح الرجاء، وبردت عنده حرارة اليأس، وانفتح
#
