زاد المعاد في هدي خير العباد — ج 4
ابن قيم الجوزية • السيرة النبوية • ج4 ص133
مؤسسة الرسالة، بيروت - مكتبة المنار الإسلامية، الكويت
وإزالة العلة أو تقليلها بحسب الإمكان، واحتمال أدنى المفسدتين لإزالة أعظمهما، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما، فعلى هذه الأصول الستة مدار العلاج، وكل طبيب لا تكون هذه أخيته التي يرجع إليها، فليس بطبيب والله أعلم.
[فصل مراعاة الطبيب لأحوال المرض]
فصل
ولما كان للمرض أربعة أحوال: ابتداء، وصعود، وانتهاء، وانحطاط، تعين على الطبيب مراعاة كل حال من أحوال المرض، بما يناسبها ويليق بها، ويستعمل في كل حال ما يجب استعماله فيها. فإذا رأى في ابتداء المرض أن الطبيعة محتاجة إلى ما يحرك الفضلات ويستفرغها؛ لنضجها بادر إليه فإن فاته تحريك الطبيعة في ابتداء المرض لعائق منع من ذلك، أو لضعف القوة، وعدم احتمالها للاستفراغ، أو لبرودة الفصل، أو لتفريط وقع، فينبغي أن يحذر كل الحذر أن يفعل ذلك في صعود المرض؛ لأنه إن فعله، تحيرت الطبيعة لاشتغالها بالدواء، وتخلت عن تدبير المرض، ومقاومته بالكلية، ومثاله: أن يجيء إلى فارس مشغول بمواقعة عدوه، فيشغله عنه بأمر آخر، ولكن الواجب في هذه الحال أن يعين الطبيعة على حفظ القوة ما أمكنه.
فإذا انتهى المرض ووقف وسكن، أخذ في استفراغه واستئصال أسبابه، فإذا أخذ في الانحطاط، كان أولى بذلك. ومثال هذا مثال العدو إذا انتهت قوته، وفرغ سلاحه، كان أخذه سهلا، فإذا ولى وأخذ في الهرب، كان أسهل أخذا، وحدته وشوكته إنما هي في ابتدائه، وحال استفراغه، وسعة قوته فهكذا الداء، والدواء سواء.
[فصل من حذق الطبيب التدبير بالأسهل]
فصل
ومن حذق الطبيب أنه حيث أمكن التدبير بالأسهل، فلا يعدل إلى
#
