شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

أدب الدنيا والدين

الماوردي • الأدب • ج1 ص 132

دار مكتبة الحياة

فإذا قد لزم بما بيناه النظر في أمور الدنيا فوجب ستر أحوالها، والكشف عن جهة انتظامها واختلالها، لنعلم أسباب صلاحها وفسادها، ومواد عمرانها وخرابها، لتنتفي عن أهلها شبه الحيرة، وتنجلي لهم أسباب الخيرة، فيقصدوا الأمور من أبوابها، ويعتمدوا صلاح قواعدها وأسبابها. واعلم أن صلاح الدنيا معتبر من وجهين:

أولهما ما ينتظم به أمور جملتها.

والثاني: ما يصلح به حال كل واحد من أهلها.

فهما شيئان لا صلاح لأحدهما إلا بصاحبه؛ لأن من صلحت حاله مع فساد الدنيا واختلال أمورها لن يعدم أن يتعدى إليه فسادها، ويقدح فيه اختلالها؛ لأن منها ما يستمد، ولها يستعد. ومن فسدت حاله مع صلاح الدنيا وانتظام أمورها لم يجد لصلاحها لذة، ولا لاستقامتها أثرا؛ لأن الإنسان دنيا نفسه، فليس يرى الصلاح إلا إذا صلحت له ولا يجد الفساد إلا إذا فسدت عليه؛ لأن نفسه أخص وحاله أمس. فصار نظره إلى ما يخصه مصروفا، وفكره على ما يمسه موقوفا.

واعلم أن الدنيا لم تكن قط لجميع أهلها مسعدة، ولا عن كافة ذويها معرضة؛ لأن إعراضها عن جميعهم عطب وإسعادها لكافتهم فساد لائتلافهم بالاختلاف والتباين، واتفاقهم بالمساعدة والتعاون. فإذا تساوى جميعهم لم يجد أحدهم إلى الاستعانة بغيره سبيلا، وبهم من الحاجة والعجز ما وصفنا، فيذهبوا ضيعة ويهلكوا عجزا. وإذا تباينوا واختلفوا صاروا مؤتلفين بالمعونة متواصلين بالحاجة؛ لأن ذا الحاجة وصول، والمحتاج إليه موصول.

وقد قال الله تعالى: {ولا يزالون مختلفين} [هود: 118] {إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} [هود: 119] . قال الحسن: مختلفين في الرزق فهذا غني وهذا فقير، ولذلك خلقهم يعني للاختلاف بالغنى والفقر. وقال الله تعالى: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق} [النحل: 71] . غير أن الدنيا إذا صلحت كان إسعادها موفورا، وإعراضها ميسورا. إلا أنها إذا منحت هنت وأودعت

الصفحة السابقة الصفحة التالية