شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

أدب الدنيا والدين

الماوردي • الأدب • ج1 ص 133

دار مكتبة الحياة

وإذا استردت رفقت وأبقت.

وإذا فسدت الدنيا كان إسعادها مكرا، وإعراضها غدرا؛ لأنها إذا منحت كدت وأتعبت، وإذا استردت استأصلت وأجحفت. ومع هذا فصلاح الدنيا مصلح لسائر أهلها لوفور أماناتهم، وظهور دياناتهم. وفسادها مفسد لسائر أهلها لقلة أماناتهم، وضعف دياناتهم. وقد وجد ذلك في مشاهد الحال تجربة وعرفا، كما يقتضيه دليل الحال تعليلا وكشفا، فلا شيء أنفع من صلاحها، كما لا شيء أضر من فسادها؛ لأن ما تقوى به ديانات الناس وتتوفر أماناتهم فلا شيء أحق به نفعا، كما أن ما به تضعف دياناتهم وتذهب أماناتهم فلا شيء أجدر به ضررا. وأنشدت لأبي بكر بن دريد:

الناس مثل زمانهم ... قد الحذاء على مثاله

ورجال دهرك مثل دهرك ... في تقلبه وحاله

وكذا إذا فسد الزمان ... جرى الفساد على رجاله

وإذ قد بلغ بنا القول إلى ذلك، فسنبدأ بذكر ما يصلح الدنيا، ثم نتلوه بوصف ما يصلح به حال الإنسان فيها. اعلم أن ما به تصلح الدنيا حتى تصير أحوالها منتظمة، وأمورها ملتئمة، ستة أشياء هي قواعدها، وإن تفرعت، وهي: دين متبع وسلطان قاهر وعدل شامل وأمن عام وخصب دائم وأمل فسيح.

فأما القاعدة الأولى: فهي الدين المتبع فلأنه يصرف النفوس عن شهواتها، ويعطف القلوب عن إرادتها، حتى يصير قاهرا للسرائر، زاجرا للضمائر، رقيبا على النفوس في خلواتها، نصوحا لها في ملماتها. وهذه الأمور لا يوصل بغير الدين إليها، ولا يصلح الناس إلا عليها. فكأن الدين أقوى قاعدة في صلاح الدنيا واستقامتها، وأجدى الأمور نفعا في انتظامها وسلامتها.

ولذلك لم يخل الله تعالى خلقه، مذ فطرهم عقلاء، من تكليف شرعي، واعتقاد ديني ينقادون لحكمه فلا تختلف بهم الآراء، ويستسلمون لأمره فلا تتصرف بهم الأهواء. وإنما اختلف العلماء - رضي الله عنهم -، في العقل والشرع هل جاءا مجيئا واحدا، أم سبق العقل ثم تبعه الشرع؟ .

الصفحة السابقة الصفحة التالية