أدب الدنيا والدين
الماوردي • الأدب • ج1 ص 36
دار مكتبة الحياة
اعلم أن العلم أشرف ما رغب فيه الراغب، وأفضل ما طلب وجد فيه الطالب، وأنفع ما كسبه واقتناه الكاسب؛ لأن شرفه يثمر على صاحبه، وفضله ينمي على طالبه. قال الله تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر: 9] فمنع المساواة بين العالم والجاهل لما قد خص به العالم من فضيلة العلم.
وقال تعالى: {وما يعقلها إلا العالمون} [العنكبوت: 43] فنفى أن يكون غير العالم يعقل عنه أمرا، أو يفهم منه زجرا. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أوحي إلى إبراهيم - عليه السلام - أني عليم أحب كل عليم» . وروى أبو أمامة قال: «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجلين أحدهما عالم والآخر عابد فقال - صلى الله عليه وسلم - فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم رجلا» .
وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: الناس أبناء ما يحسنون. وقال مصعب بن الزبير: تعلم العلم فإن يكن لك مال كان لك جمالا وإن لم يكن لك مال كان لك مالا. وقال عبد الملك بن مروان لبنيه: يا بني تعلموا العلم فإن كنتم سادة فقتم، وإن كنتم وسطا سدتم، وإن كنتم سوقة عشتم.
وقال بعض الحكماء: العلم شرف لا قدر له، والأدب مال لا خوف عليه. وقال بعض الأدباء: العلم أفضل خلف، والعمل به أكمل شرف. وقال بعض البلغاء: تعلم العلم فإنه يقومك ويسددك صغيرا، ويقدمك ويسودك كبيرا، ويصلح زيفك وفاسدك، ويرغم عدوك وحاسدك، ويقوم عوجك وميلك، ويصحح همتك، وأملك.
وقال علي - رضي الله تعالى عنه -: قيمة كل امرئ ما يحسن. فأخذه الخليل فنظمه شعرا فقال:
لا يكون العلي مثل الدني ... لا ولا ذو الذكاء مثل الغبي
قيمة المرء قدر ما يحسن المرء ... قضاء من الإمام علي
وليس يجهل فضل العلم إلا أهل الجهل؛ لأن فضل العلم إنما يعرف
