أدب الدنيا والدين
الماوردي • الأدب • ج1 ص 37
دار مكتبة الحياة
بالعلم.
وهذا أبلغ في فضله؛ لأن فضله لا يعلم إلا به. فلما عدم الجهال العلم الذي به يتوصلون إلى فضل العلم جهلوا فضله، واسترذلوا أهله، وتوهموا أن ما تميل إليه نفوسهم من الأموال المقتناة، والطرف المشتهاة، أولى أن يكون إقبالهم عليها، وأحرى أن يكون اشتغالهم بها. وقد قال ابن المعتز في منثور الحكم: العالم يعرف الجاهل؛ لأنه كان جاهلا، والجاهل لا يعرف العالم؛ لأنه لم يكن عالما. وهذا صحيح، ولأجله انصرفوا عن العلم، وأهله انصراف الزاهدين، وانحرفوا عنه وعنهم انحراف المعاندين؛ لأن من جهل شيئا عاداه.
وأنشدني ابن لنكك لأبي بكر بن دريد:
جهلت فعاديت العلوم وأهلها ... كذاك يعادي العلم من هو جاهله
ومن كان يهوى أن يرى متصدرا ... ويكره لا أدري أصيبت مقاتله
وقيل لبزرجمهر: العلم أفضل أم المال؟ فقال: بل العلم. قيل: فما بالنا نرى العلماء على أبواب الأغنياء ولا نكاد نرى الأغنياء على أبواب العلماء؟ فقال: ذلك لمعرفة العلماء بمنفعة المال وجهل الأغنياء لفضل العلم. وقيل لبعض الحكماء: لم لا يجتمع العلم والمال؟ فقال: لعز الكمال. فأنشدت لبعض أهل هذا العصر:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... فأجسامهم قبل القبور قبور
وإن امرأ لم يحي بالعلم ميت ... فليس له حتى النشور نشور
ووقف بعض المتعلمين بباب عالم ثم نادى: تصدقوا علينا بما لا يتعب ضرسا، ولا يسقم نفسا. فأخرج له طعاما ونفقة. فقال: فاقتي إلى كلامكم، أشد من فاقتي إلى طعامكم، إني طالب هدى لا سائل ندى.
فأذن له العالم، وأفاده من كل ما سأل عنه فخرج جذلا فرحا، وهو يقول: علم أوضح لبسا، خير من مال أغنى نفسا. واعلم أن كل العلوم شريفة، ولكل علم منها فضيلة، والإحاطة بجميعها محال.
قيل لبعض الحكماء: من يعرف كل العلوم؟ فقال: كل الناس. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من ظن أن
