أدب الدنيا والدين
الماوردي • الأدب • ج1 ص 283
دار مكتبة الحياة
ومن آدابه: أن لا تبعثه الرغبة والرهبة على الاسترسال في وعد أو وعيد يعجز عنهما ولا يقدر على الوفاء بهما. فإن من أطلق بهما لسانه وأرسل فيهما عنانه، ولم يستثقل من القول ما يستثقله من العمل، صار وعده نكثا ووعيده عجزا. وحكي أن سليمان بن داود - عليهما السلام -، مر بعصفور يدور حول عصفورة فقال لأصحابه: هل تدرون ما يقول لها؟ قالوا: لا يا نبي الله. قال: إنه يخطبها لنفسه ويقول لها زوجيني نفسك أسكنك أي غرف دمشق شئت. وقال سليمان: كذب العصفور فإن غرف دمشق مبنية بالصخور لا يقدر أن يسكنها هناك، ولكن كل خاطب كاذب.
ومن آدابه: إن قال قولا حققه بفعله، وإذا تكلم بكلام صدقه فعمله، فإن إرسال القول اختيار، والعمل به اضطرار. ولئن يفعل ما لم يقل أجمل من أن يقول ما لم يفعل. وقال بعض الحكماء: أحسن الكلام ما لا يحتاج فيه إلى الكلام أي يكتفي بالفعل من القول. وقال محمود الوراق:
القول ما صدقه الفعل ... والفعل ما وكده العقل
لا يثبت القول إذا لم يكن ... يقله من تحته الأصل
ومن آدابه: أن يراعي مخارج كلامه بحسب مقاصده وأغراضه فإن كان ترغيبا قرنه باللين واللطف، وإن كان ترهيبا خلطه بالخشونة والعنف، فإن لين اللفظ في الترهيب وخشونته في الترغيب خروج عن موضعهما وتعطيل للمقصود بهما، فيصير الكلام لغوا والغرض المقصود لهوا. وقد قال أبو الأسود الدؤلي لابنه: يا بني إن كنت في قوم فلا تتكلم بكلام من هو فوقك فيمقتوك، ولا بكلام من هو دونك فيزدروك.
ومن آدابه: أن لا يرفع بكلامه صوتا مستنكرا ولا ينزعج له انزعاجا مستهجنا، وليكف عن حركة تكون طيشا وعن حركة تكون عيا، فإن نقص الطيش أكثر من فضل البلاغة. وقد حكي أن الحجاج قال لأعرابي: أخطيب أنا؟ قال: نعم لولا أنك تكثر الرد، وتشير باليد، وتقول أما بعد.
ومن آدابه: أن يتجافى هجر القول ومستقبح الكلام، وليعدل إلى
