شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

أدب الدنيا والدين

الماوردي • الأدب • ج1 ص 284

دار مكتبة الحياة

الكناية عما يستقبح صريحه ويستهجن فصيحه؛ ليبلغ الغرض ولسانه نزه وأدبه مصون.

وقد قال محمد بن علي في قوله تعالى: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} [الفرقان: 72] .

قال: كانوا إذا ذكروا الفروج كنوا عنها. وكما أنه يصون لسانه عن ذلك فهكذا يصون عنه سمعه، فلا يسمع خناء ولا يصغي إلى فحش فإن سماع الفحش داع إلى إظهاره، وذريعة إلى إنكاره. وإذا وجد عن الفحش معرضا كف قائله وكان إعراضه أحد النكيرين، كما أن سماعه أحد الباعثين. وأنشدني أبو الحسن بن الحارث الهاشمي:

تحر من الطرق أوساطها ... وعد عن الموضع المشتبه

وسمعك صن عن قبيح الكلا ... م كصون اللسان عن النطق به

فإنك عند استماع القبيح ... شريك لقائله فانتبه

ومما يجري مجرى فحش القول وهجره في وجوب اجتنابه، ولزوم تنكبه، ما كان شنيع البديهة مستنكر الظاهر، وإن كان عقب التأمل سليما، وبعد الكشف والروية مستقيما، كالذي رواه الأزدي عن الصولي لبعض المتكلفين من الشعراء

إنني شيخ كبير ... كافر بالله سيري

أنت ربي وإلهي ... رازق الطفل الصغير

يريد بقوله كافر أي لابس؛ لأن الكفر التغطية. ولذلك سمي الكافر بالله كافرا؛ لأنه قد غطى نعمة الله بمعصيته. وقوله بالله سيري يقسم عليها أن تسير. وقوله أنت ربي يعني ربي ولدك من التربية. وإلهي رازق الطفل الصغير كما أنه رازق الولد الكبير. فانظر إلى هذا التكلف الشنيع، والتعمق البشيع، ما اعتاض من حيث البديهة إذا سلم بعد الفكر والروية إلا لؤما إن حسن فيه الظن، أو ذما إن قوي فيه الارتياب. وقلما يكون ذلك إلا من خليع بطر أو مرتاب أشر.

فأما الحديث المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -

الصفحة السابقة الصفحة التالية