شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

أدب الدنيا والدين

الماوردي • الأدب • ج1 ص 40

دار مكتبة الحياة

لأن العقل يمنع من أن يكون الإنسان هملا أو سدى.

يعتمدون على آرائهم المختلفة وينقادون لأهوائهم المتشعبة لما تؤول إليه أمورهم من الاختلاف والتنازع، ويفضي إليه أحوالهم من التباين والتقاطع. فلم يستغنوا عن دين يتألفون به ويتفقون عليه. ثم العقل موجب له أو مانع ولو تصور هذا المختل التصور أن الدين ضرورة في العقل، وأن العقل في الدين أصل، لقصر عن التقصير، وأذعن للحق ولكن أهمل نفسه فضل وأضل.

وقد يتعلق بالدين علوم قد بين الشافعي فضيلة كل واحد منها فقال: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن تعلم الفقه نبل مقداره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن تعلم الحساب جزل رأيه، ومن تعلم العربية رق طبعه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه عمله.

ولعمري إن صيانة النفس أصل الفضائل؛ لأن من أهمل صيانة نفسه ثقة بما منحه العلم من فضيلته، وتوكلا على ما يلزم الناس من صيانته، سلوه فضيلة علمه ووسموه بقبيح تبذله، فلم يف ما أعطاه العلم بما سلبه التبذل؛ لأن القبيح أنم من الجميل والرذيلة أشهر من الفضيلة؛ لأن الناس لما في طبائعهم من البغضة والحسد ونزاع المنافسة تنصرف عيونهم عن المحاسن إلى المساوئ، فلا ينصفون محسنا ولا يحابون مسيئا لا سيما من كان بالعلم موسوما وإليه منسوبا، فإن زلته لا تقال وهفوته لا تعذر إما لقبح أثرها واغترار كثير من الناس بها.

وقد قيل في منثور الحكم: إن زلة العالم كالسفينة تغرق ويغرق معها خلق كثير، وقيل لعيسى ابن مريم - عليه السلام - من أشد الناس فتنة؟ قال: زلة العالم إذا زل زل بزلته عالم كثير. فهذا وجه.

وإما لأن الجهال بذمه أغرى، وعلى تنقصه أحرى؛ ليسلبوه فضيلة التقدم ويمنعوه مباينة التخصيص عنادا لما جهلوه ومقتا لما باينوه؛ لأن الجاهل يرى العلم تكلفا ولوما، كما أن العالم يرى الجهل تخلفا وذما.

وأنشدت عن الربيع للشافعي - رضي الله عنه -:

ومنزلة السفيه من الفقيه ... كمنزلة الفقيه من السفيه

فهذا زاهد في قرب هذا ... وهذا فيه أزهد منه فيه

إذا غلب الشقاء على سفيه ... تقطع في مخالفة الفقيه

الصفحة السابقة الصفحة التالية