شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

أدب الدنيا والدين

الماوردي • الأدب • ج1 ص 41

دار مكتبة الحياة

وقال يحيى بن خالد لابنه: عليك بكل نوع من العلم فخذ منه، فإن المرء عدو ما جهل، وأنا أكره أن تكون عدو شيء من العلم، وأنشد:

تفنن وخذ من كل علم فإنما ... يفوق امرؤ في كل فن له علم

فأنت عدو للذي أنت جاهل ... به ولعلم أنت تتقنه سلم

وإذا صان ذو العلم نفسه حق صيانتها، ولازم فعل ما يلزمها أمن تعيير الموالي وتنقيص المعادي، وجمع إلى فضيلة العلم جميل الصيانة وعز النزاهة فصار بالمنزلة التي يستحقها بفضائله.

وروى أبو الدرداء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «العلماء ورثة الأنبياء لأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم» . وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «للأنبياء على العلماء فضل درجتين وللعلماء على الشهداء فضل درجة» .

وقال بعض البلغاء: إن من الشريعة أن تجل أهل الشريعة، ومن الصنيعة أن ترب حسن الصنيعة. فينبغي لمن استدل بفطرته على استحسان الفضائل، واستقباح الرذائل، أن ينفي عن نفسه رذائل الجهل بفضائل العلم وغفلة الإهمال باستيقاظ المعاناة، ويرغب في العلم رغبة متحقق لفضائله واثق بمنافعه، ولا يلهيه عن طلبه كثرة مال وجده ولا نفوذ أمر وعلو منزلة.

فإن من نفذ أمره فهو إلى العلم أحوج، ومن علت منزلته فهو بالعلم أحق.

وروى أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الحكمة تزيد الشريف شرفا، وترفع العبد المملوك حتى تجلسه مجالس الملوك» .

وقد قال بعض الأدباء: كل عز لا يوطده علم مذلة، وكل علم لا يؤيده عقل مضلة.

وقال بعض علماء السلف: إذا أراد الله بالناس خيرا جعل العلم في ملوكهم، والملك في علمائهم. وقال بعض البلغاء: العلم عصمة الملوك؛ لأنه يمنعهم من الظلم، ويردهم إلى الحلم، ويصدهم عن الأذية، ويعطفهم على الرعية.

فمن حقهم أن يعرفوا حقه، ويستبطنوا أهله. فأما المال فظل زائل وعارية مسترجعة وليس في كثرته فضيلة، ولو

الصفحة السابقة الصفحة التالية