شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

أدب الدنيا والدين

الماوردي • الأدب • ج1 ص 300

دار مكتبة الحياة

الفصل الثالث في المشورة

اعلم أن من الحزم لكل ذي لب أن لا يبرم أمرا ولا يمضي عزما إلا بمشورة ذي الرأي الناصح، ومطالعة ذي العقل الراجح. فإن الله تعالى أمر بالمشورة نبيه - صلى الله عليه وسلم - مع ما تكفل به من إرشاده، ووعد به من تأييده، فقال تعالى: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] .

قال قتادة: أمره بمشاورتهم تألفا لهم وتطييبا لأنفسهم.

وقال الضحاك: أمره بمشاورتهم لما علم فيها من الفضل. وقال الحسن البصري - رحمه الله تعالى -: أمره بمشاورتهم ليستن به المسلمون ويتبعه فيها المؤمنون وإن كان عن مشورتهم غنيا. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المشورة حصن من الندامة، وأمان من الملامة» .

وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: نعم المؤازرة المشاورة وبئس الاستعداد الاستبداد. وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: الرجال ثلاثة: رجل ترد عليه الأمور فيسددها برأيه، ورجل يشاور فيما أشكل عليه وينزل حيث يأمره أهل الرأي، ورجل حائر بأمره لا يأتمر رشدا ولا يطيع مرشدا. وقال عمر بن عبد العزيز: إن المشورة والمناظرة بابا رحمة ومفتاحا بركة لا يضل معهما رأي ولا يفقد معهما حزم.

وقال سيف بن ذي يزن: من أعجب برأيه لم يشاور، ومن استبد برأيه كان من الصواب بعيدا. وقال عبد الحميد: المشاور في رأيه ناظر من ورائه. وقيل في منثور الحكم: المشاورة راحة لك وتعب على غيرك. وقال بعض الحكماء: الاستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه. وقال بعض الأدباء: ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار.

وقال بعض البلغاء: من حق العاقل أن يضيف إلى رأيه آراء العقلاء، ويجمع إلى عقله عقول الحكماء، فالرأي الفذ ربما زل والعقل الفرد ربما ضل. وقال بشار بن برد:

إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أو نصيحة حازم

ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي قوة للقوادم

الصفحة السابقة الصفحة التالية