أدب الدنيا والدين
الماوردي • الأدب • ج1 ص 301
دار مكتبة الحياة
فإذا عزم على المشاورة ارتاد لها من أهلها من قد استكملت فيه خمس خصال: إحداهن: عقل كامل مع تجربة سالفة فإن بكثرة التجارب تصح الروية. وقد روى أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «استرشدوا العاقل ترشدوا ولا تعصوه فتندموا» .
وقال عبد الله بن الحسن لابنه محمد: احذر مشورة الجاهل وإن كان ناصحا كما تحذر عداوة العاقل إذا كان عدوا فإنه يوشك أن يورطك بمشورته فيسبق إليك مكر العاقل وتوريط الجاهل. وقيل لرجل من عبس: ما أكثر صوابكم؟ قال: نحن ألف رجل وفينا حازم ونحن نطيعه فكأنا ألف حازم.
وكان يقال: إياك ومشاورة رجلين: شاب معجب بنفسه قليل التجارب في غيره، أو كبير قد أخذ الدهر من عقله كما أخذ من جسمه. وقيل في منثور الحكم: كل شيء يحتاج إلى العقل، والعقل يحتاج إلى التجارب. ولذلك قيل: الأيام تهتك لك عن الأستار الكامنة. وقال بعض الحكماء: التجارب ليس لها غاية، والعاقل منها في زيادة. وقال بعض الحكماء: من استعان بذوي العقول فاز بدرك المأمول.
وقال أبو الأسود الدؤلي:
وما كل ذي نصح بمؤتيك نصحه ... ولا كل مؤت نصحه بلبيب
ولكن إذا ما استجمعا عند صاحب ... فحق له من طاعة بنصيب
والخصلة الثانية: أن يكون ذا دين وتقى، فإن ذلك عماد كل صلاح وباب كل نجاح. ومن غلب عليه الدين فهو مأمون السريرة موفق العزيمة. روى عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أراد أمرا فشاور فيه امرأ مسلما وفقه الله لأرشد أموره» .
والخصلة الثالثة: أن يكون ناصحا ودودا، فإن النصح والمودة يصدقان الفكرة ويمحضان الرأي. وقال بعض الحكماء: لا تشاور إلا الحازم غير الحسود، واللبيب غير الحقود، وإياك ومشاورة النساء فإن رأيهن إلى الأفن، وعزمهن إلى
