أدب الدنيا والدين
الماوردي • الأدب • ج1 ص 43
دار مكتبة الحياة
فقال: يا عم ما عندك فيما يقول هؤلاء: فقال: يا أمير المؤمنين شغلونا في الصغر واشتغلنا في الكبر. فقال: لم لا نتعلمه اليوم؟ قال: أو يحسن بمثلي طلب العلم؟ قال: نعم. والله لأن تموت طالبا للعلم خير من أن تعيش قانعا بالجهل. قال: وإلى متى يحسن بي طلب العلم؟ قال: ما حسنت بك الحياة؛ ولأن الصغير أعذر وإن لم يكن في الجهل عذر؛ لأنه لم تطل به مدة التفريط ولا استمرت عليه أيام الإهمال.
وقد قيل في منثور الحكم: جهل الصغير معذور، وعلمه محقور، فأما الكبير فالجهل به أقبح، ونقصه عليه أفضح؛ لأن علو السن إذا لم يكسبه فضلا ولم يفده علما وكانت أيامه في الجهل ماضية، ومن الفضل خالية، كان الصغير أفضل منه؛ لأن الرجاء له أكثر، والأمل فيه أظهر، وحسبك نقصا في رجل يكون الصغير المساوي له في الجهل أفضل منه.
وأنشدت لبعض أهل الأدب:
إذا لم يكن مر السنين مترجما ... عن الفضل في الإنسان سميته طفلا
وما تنفع الأيام حين يعدها ... ولم يستفد فيهن علما ولا فضلا
أرى الدهر من سوء التصرف مائلا ... إلى كل ذي جهل كأن به جهلا
وربما امتنع من طلب العلم لتعذر المادة وشغله اكتسابها عن التماس العلم. وهذا، وإن كان أعذر من غيره مع أنه قل ما يكون ذلك إلا عند ذي شره وعيب وشهوة مستعبدة، فينبغي أن يصرف إلى العلم حظا من زمانه. فليس كل الزمان زمان اكتساب. ولا بد للمكتسب من أوقات استراحة، وأيام عطلة.
ومن صرف كل نفسه إلى الكسب حتى لم يترك لها فراغا إلى غيره، فهو من عبيد الدنيا، وأسراء الحرص.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لكل شيء فترة، فمن كانت فترته إلى العلم فقد نجا» . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «كونوا علماء صالحين، فإن لم تكونوا علماء صالحين فجالسوا العلماء واسمعوا علما يدلكم على الهدى، ويردكم عن الردى» .
وقال بعض العلماء: من أحب العلم أحاطت به فضائله. وقال بعض الحكماء: من صاحب العلماء وقر، ومن جالس السفهاء حقر.
وربما منعه من طلب العلم ما يظنه من
