شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

أدب الدنيا والدين

الماوردي • الأدب • ج1 ص 44

دار مكتبة الحياة

صعوبته، وبعد غايته، ويخشى من قلة ذهنه وبعد فطنته.

وهذا الظن اعتذار ذوي النقص وخيفة أهل العجز؛ لأن الأخبار قبل الاختبار جهل، والخشية قبل الابتلاء عجز. وقد قال الشاعر:

لا تكونن للأمور هيوبا ... فإلى خيبة يصير الهيوب

وقال رجل لأبي هريرة - رضي الله عنه -: أريد أن أتعلم العلم، وأخاف أن أضيعه. فقال: كفى بترك العلم إضاعة. وليس، وإن تفاضلت الأذهان وتفاوتت الفطن، ينبغي لمن قل منها حظه أن ييأس من نيل القليل وإدراك اليسير الذي يخرج به من حد الجهالة إلى أدنى مراتب التخصيص.

فإن الماء مع لينه يؤثر في صم الصخور فكيف لا يؤثر العلم الزكي في نفس راغب شهي، وطالب خلي، لا سيما وطالب العلم معان. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب.»

وربما منع ذا السفاهة من طلب العلم أن يصور في نفسه حرفة أهله وتضايق الأمور مع الاشتغال به حتى يسمهم بالإدبار ويتوسمهم بالحرمان، فإن رأى محبرة تطير منها وإن رأى كتابا أعرض عنه، وإن رأى متحليا بالعلم هرب منه كأنه لم ير عالما مقبلا وجاهلا مدبرا.

ولقد رأيت من هذه الطبقة جماعة ذوي منازل، وأحوال كنت أخفي عنهم ما يصحبني من محبرة وكتاب لئلا أكون عندهم مستثقلا، وإن كان البعد عنهم مؤنسا ومصلحا، والقرب منهم موحشا ومفسدا.

فقد قال بزرجمهر: الجهل في القلب كالنز في الأرض، يفسد ما حوله. لكن اتبعت فيهم الحديث المروي عن أبي الأشعث عن أبي عثمان عن ثوبان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «خالطوا الناس بأخلاقهم وخالفوهم في أعمالهم» . ولذلك قال بعض البلغاء: رب جهل وقيت به علماء، وسفه حميت به حلماء.

وهذه الطبقة ممن لا يرجى لها صلاح، ولا يؤمل لها فلاح. لأن من اعتقد أن العلم شين، وأن تركه زين، وأن للجهل إقبالا مجديا، وللعلم إدبارا مكديا، كان ضلاله مستحكما ورشاده مستعبدا، وكان هو الخامس الهالك الذي قال فيه علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: «اغد عالما أو متعلما أو مستمعا أو محبا ولا تكن الخامس فتهلك» . وقد رواه خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسندا وليس لمن هذه

الصفحة السابقة الصفحة التالية